فصل: في أحاديث زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومدى صحتها
فقرتان، ج ٢٨ ص ٢٩
- فَصْلٌ:
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْ زَارَ قَبْرِي فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} وَأَمْثَالُ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا رُوِيَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْهَا شَيْئًا: لَا أَصْحَابُ الصَّحِيحِ: كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَلَا أَصْحَابُ السُّنَنِ: كَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِي. وَلَا الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ الْمَسَانِيدِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَأَمْثَالِهِ وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَمْثَالِهِمْ؛ بَلْ عَامَّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهَا كَذِبٌ مَوْضُوعَةٌ كَقَوْلِهِ: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} وَقَوْلِهِ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَنَحْوَهَا كَذِبٌ. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الدارقطني وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَمَدَارُهُ عَلَى
ج ٢٨ ص ٣٠عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ أَصْلًا؛ بَلْ إنَّمَا اعْتَمَدَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَحَادِيثِ السَّلَامِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ} رَوَاهُ النَّسَائِي وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ: فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالُوا: لِأَنَّ لَفْظَ الزِّيَارَةِ قَدْ صَارَتْ فِي عُرْفِ النَّاسِ تَتَضَمَّنُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَإِنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَجْهٌ شَرْعِيٌّ وَوَجْهٌ بِدْعِيٌّ. " فَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ " مَقْصُودُهَا السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ إذَا زَارُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقِفُ عِنْدَ قَبْرِهِ لِيَدْعُوَ لِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا كَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ وَقَالُوا: إنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا سَلَّمَ الْمُسَلِّمُ عَلَيْهِ
ج ٢٨ ص ٣١وَأَرَادَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَتَنَازَعُوا وَقْتَ السَّلَامِ عَلَيْهِ: هَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد: يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَلِهَذَا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ قَبْرًا مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا قَصْدُهُ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ أَوْ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كَانَتْ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَعَبَدُوهُمْ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَنَحْوُهَا هِيَ مِنْ " الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ " وَهِيَ مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الزَّائِرِ أَنْ يُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ عِنْدَ الْقَبْرِ أَوْ أَنْ يَدْعُوَ الْمَيِّتَ وَيَسْتَغِيثَ بِهِ وَيَطْلُبَ مِنْهُ أَوْ