سئل عن جبل لبنان، هل ورد نص في كتاب أو سنة في فضله؟
٣ فقرات، ج ٢٨ ص ٥٠
- ج ٢٨ ص ٥٠
عَنْ " جَبَلِ لُبْنَانَ " هَلْ وَرَدَ فِي فَضْلِهِ نَصٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ أَوْ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَهَلْ يَحِلُّ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَصْقَعَ النَّاسُ إلَيْهِ بِرُءُوسِهِمْ إذَا أَبْصَرُوهُ؟ وَحَتَّى مَنْ أَبْصَرَهُ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً يَرَى أَنَّ ذَلِكَ بَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ؟ وَهَلْ ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ فِيهِ أَرْبَعِينَ مِنْ الْأَبْدَالِ؟ أَوْ كَانَ فِيهِ رِجَالٌ عَلَيْهِمْ شَعْرٌ مِثْلُ شَعْرِ الْمَاعِزِ؟ وَهَلْ هَذِهِ صِفَةُ الصَّالِحِينَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ نِيَّةَ الزِّيَارَةِ؟ أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَنْ وَطَّأَ أَرْضَهُ فَقَدَ وَطِئَ بَعْضَ الْجَبَلِ الْمَخْصُوصِ بِالرَّحْمَةِ؟ وَهَلْ ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَدْفُونٌ أَوْ فِي أَذْيَالِهِ؟ أَوْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ فِيهِ رِجَالُ الْغَيْبِ؟ وَكَيْفَ صِفَةُ رِجَالِ الْغَيْبِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ الْعَوَامُّ فِيهِمْ؟ وَهَلْ يَحِلُّ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا؟ وَهَلْ يَكُونُ كُلُّ مَنْ كَابَرَ فِيهِ وَحَسَّنَهُ أَوْ دَاهَنَ فِيهِ مُخْطِئًا آثِمًا؟ وَهَلْ يَكُونُ الْمُنْكِرُ لِهَذَا كُلِّهِ مِنْ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا؟
- فَأَجَابَ:
-
لَيْسَ فِي فَضْلِ " جَبَلِ لُبْنَانَ " وَأَمْثَالِهِ نَصٌّ لَا عَنْ اللَّهِ
ج ٢٨ ص ٥١وَلَا عَنْ رَسُولِهِ؛ بَلْ هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْجِبَالِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا أَوْتَادًا لِلْأَرْضِ وَآيَةً مِنْ آيَاتِهِ وَفِيهَا مِنْ مَنَافِعَ خَلْقِهِ مَا هُوَ نِعَمٌ لِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَسَوْفَ يَفْعَلُ بِهَا مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحِكَايَاتِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِبَعْضِ الْعِبَادِ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ وَجَبَلِ اللِّكَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمَا يُؤْثَرُ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْمَقَالِ وَالْفِعَالِ. فَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْكِنَةَ كَانَتْ ثُغُورًا يُرَابِطُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ؛ لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ فَتَحُوا الشَّامَ كُلَّهُ وَغَيْرَ الشَّامِ فَكَانَتْ غَزَّةُ وَعَسْقَلَانُ وَعَكَّةُ وَبَيْرُوتُ وَجَبَلُ لُبْنَانَ وَطَرَابُلُسُ ومصيصة وسيس وطرسوس وَأُذُنَة وَجَبَلُ اللِّكَامِ وملطية وَآمِدُ وَجَبَلُ ليسون إلَى قَزْوِينَ إلَى الشَّاشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ؛ كَانَتْ ثُغُورًا كَمَا كَانَتْ الإسكندرية وَنَحْوُهَا ثُغُورًا وَكَذَلِكَ عبادان وَنَحْوُهَا مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ. وَكَانَ الصَّالِحُونَ يَتَنَاوَبُونَ الثُّغُورَ لِأَجْلِ الْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُقَامَ بِالثُّغُورِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
ج ٢٨ ص ٥٢رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ} وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبَاطَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَالْمُجَاوَرَةَ مِنْ جِنْسِ النُّسُكِ وَجِنْسُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مَنْ جِنْسِ النُّسُكِ: بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . وَفَضَائِلُ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ كَثِيرَةٌ. فَلِذَلِكَ كَانَ صَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ يُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ: مِثْلُ مَا كَانَ الأوزاعي وَأَبُو إسْحَاقَ الفزاري ومخلد بْنُ الْحُسَيْنِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ
ج ٢٨ ص ٥٣أَدْهَمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحُذَيْفَةُ المرعشي وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ وَغَيْرُهُمْ: يُرَابِطُونَ بِالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجِيءُ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمَا لِلرِّبَاطِ فِي الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ النَّصَارَى أَهْلَ الْكِتَابِ. وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ} وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ التُّرْكُ وَنَحْوُهُمْ فَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ فَإِذَا غَلَبَ أُولَئِكَ أَفْسَدُوا الدِّينَ وَالْمُلْكَ. وَأَمَّا التُّرْكُ فَيُفْسِدُونَ الْمُلْكَ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ؛ وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الدِّينِ. وَلِهَذَا كَثُرَ ذِكْرُ " طرسوس " فِي كُتُبِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ يَقْصِدُهَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالسَّرِيُّ السقطي؛ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ لِلرِّبَاطِ وَتُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ قَرِيبًا مِنْهَا. فَعَامَّةُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ فَضْلِ عَسْقَلَانَ والإسكندرية أَوْ عَكَّةَ أَوْ قَزْوِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَمَا يُوجَدُ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَهُوَ لِأَجْلِ كَوْنِهَا كَانَتْ ثُغُورًا؛ لَا لِأَجْلِ خَاصِّيَّةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ. وَكَوْنُ الْبُقْعَةِ ثَغْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ ثَغْرٍ هُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لَهَا لَا اللَّازِمَةِ لَهَا؛ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ أَوْ دَارَ كُفْرٍ أَوْ دَارَ حَرْبٍ أَوْ دَارَ سِلْمٍ أَوْ دَارَ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ دَارَ