التمسح بالقبور منهي عنه

٣ فقرات، ج ٢٨ ص ٩١

  1. أَوْ الْحَاجَةُ فَأَمَّا الْعَالِمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ وَاَلَّذِينَ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْأُمُورَ جَمِيعَهَا قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُمْ جَهْلٌ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَقَدْ تَكُونُ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَيْهَا: مِثْلُ الشَّهْوَةِ إلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ الضَّرَرِ أَعْظَمُ مِمَّا فِيهَا مِنْ اللَّذَّةِ وَلَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ أَوْ تَغْلِبُهُمْ أَهْوَاؤُهُمْ حَتَّى يَفْعَلُوهَا وَالْهَوَى غَالِبًا يَجْعَلُ صَاحِبَهُ كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا فَإِنَّ حُبَّك لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ. وَلِهَذَا كَانَ الْعَالِمُ يَخْشَى اللَّهَ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} الْآيَةُ فَقَالُوا: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْبَسْطِ لِبَيَانِ مَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْغَالِبَةِ وَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْغَالِبَةِ بَلْ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ لِمَصْلَحَةِ مَحْضَةٍ أَوْ غَالِبَةٍ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ أَوْ غَالِبَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَلَا نَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ بِخِلَابَةِ عَلَيْهِمْ بَلْ أَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ وَلِهَذَا وَصَفَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} .

    ج ٢٨ ص ٩١
  2. وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِالْقَبْرِ - أَيَّ قَبْرٍ كَانَ - وَتَقْبِيلُهُ وَتَمْرِيغُ الْخَدِّ عَلَيْهِ

    ج ٢٨ ص ٩٢فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا بَلْ هَذَا مِنْ الشِّرْكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَسْمَاءُ قَوْمٍ صَالِحِينَ كَانُوا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَأَنَّهُمْ عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ مُدَّةً ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ. لَا سِيَّمَا إذَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ دُعَاءُ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِغَاثَةُ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ وَبَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ " الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ " الَّتِي تَشَبَّهَ أَهْلُهَا بِالنَّصَارَى و " الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ " . وَأَمَّا وَضْعُ الرَّأْسِ عِنْدَ الْكُبَرَاءِ مِنْ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ أَوْ تَقْبِيلُ الْأَرْضِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ بَلْ مُجَرَّدُ الِانْحِنَاءِ بِالظَّهْرِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. فَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ " {أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتهمْ فِي الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ وَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ فَقَالَ: كَذَبُوا يَا مُعَاذُ لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا يَا مُعَاذُ أَرَأَيْت إنْ مَرَرْت بِقَبْرِي أَكُنْت سَاجِدًا؟ قَالَ لَا - قَالَ: - لَا تَفْعَلْ هَذَا} أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

  3. بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: {أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ قَاعِدًا مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ فَصَلَّوْا قِيَامًا فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ وَقَالَ: لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضَهَا بَعْضًا} وَقَالَ " {مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} فَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَاهُمْ مَعَ قُعُودِهِ - وَإِنْ كَانُوا قَامُوا فِي الصَّلَاةِ - حَتَّى لَا يَتَشَبَّهُوا بِمَنْ يَقُومُونَ لِعُظَمَائِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ سَرَّهُ الْقِيَامُ لَهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَيْفَ بِمَا فِيهِ مِنْ السُّجُودِ لَهُ وَمِنْ وَضْعِ الرَّأْسِ وَتَقْبِيلِ الْأَيَادِي وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ عَلَى الْأَرْضِ - قَدْ وَكَّلَ أَعْوَانًا يَمْنَعُونَ الدَّاخِلَ مِنْ تَقْبِيلِ الْأَرْضِ وَيُؤَدِّبُهُمْ إذَا قَبَّلَ أَحَدٌ الْأَرْضَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ حَقٌّ لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ: خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا كَانَ حَقًّا خَالِصًا لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ فِيهِ نَصِيبٌ: مِثْلُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " {مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا: " {مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ} . فَالْعِبَادَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ

    ج ٢٨ ص ٩٤اللَّه يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ} وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ هُوَ أَصْلُ الْعِبَادَةِ. وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشِّرْكِ دِقَّهُ وَجُلَّهُ وَحَقِيرَهُ وَكَبِيرَهُ. حَتَّى إنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا بِأَلْفَاظِ مُتَنَوِّعَةٍ: تَارَةً يَقُولُ: " {لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا} . وَتَارَةً يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَتَارَةً: يَذْكُرُ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ طَلَعَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ وَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي كَوْنِهِمْ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يُقَارِنُ الشَّمْسَ حِينَئِذٍ لِيَكُونَ السُّجُودُ لَهُ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَظْهَرُ شِرْكًا وَمُشَابَهَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ اتِّخَاذِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَنَحْنُ مَنْهِيُّونَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ وَمَنْ

    ج ٢٨ ص ٩٣