أوجع الاتفاق بين الرافضة والقرامطة والاتحادية
٥ فقرات، ج ٥ ص ١٠٣
- ج ٥ ص ١٠٣
قَوْلُ جُهَّالِهِمْ. وَتَارَةً يَقْدَحُونَ فِي فَهْمِ الرِّسَالَةِ: وَهُوَ قَوْلُ حُذَّاقِهِمْ كَمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَكَابِرُ الْفَلَاسِفَةِ والاتحادية وَنَحْوِهِمْ. حَتَّى كَانَ التلمساني مَرَّةً مَرِيضًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَخْصٌ وَمَعَهُ بَعْضُ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي الْفِكْرِ: أَنَّهُ حِجَابٌ وَأَنَّ الْأَمْرَ مَدَارُهُ عَلَى الْكَشْفِ وَغَرَضُهُ كَشْفُ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ فَقَالَ ذَلِكَ الطَّالِبُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ: " أَفْضَلُ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: التَّفَكُّرُ؟ " فَتَبَرَّمَ بِدُخُولِ مِثْلِ هَذَا عَلَيْهِ وَقَالَ لِلَّذِي جَاءَ بِهِ: كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِثْلُ هَذَا؟ ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي يَا بُنَيَّ مَا مِثْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَمْثَالِهِ؟ مَثَلُهُمْ: مَثَلُ أَقْوَامٍ سَمِعُوا كَلَامًا وَحَفِظُوهُ لَنَا حَتَّى نَكُونَ نَحْنُ الَّذِينَ نَفْهَمُهُ وَنَعْرِفُ مُرَادَ صَاحِبِهِ وَمَثَلُ بَرِيدٍ حَمَلَ كِتَابًا مِنْ السُّلْطَانِ إلَى نَائِبِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ طَالَ عَهْدِي بِالْحِكَايَةِ حَدَّثَنِي بِهَا الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ثِقَةٌ يَعْرِفُ مَا يَقُولُ فِي هَذَا. وَكَانَ لَهُ فِي هَذِهِ الْفُنُونِ جَوَلَانٌ كَثِيرٌ. وَكَذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ: يَذْكُرُ مِنْ التَّنَقُّصِ بِالصَّحَابَةِ مَا وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَشِيعَتِهِ الْقَرَامِطَةِ؛ حَتَّى تَجِدَهُمْ إذَا ذَكَرُوا فِي آخِرِ الْفَلْسَفَةِ حَاجَةَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ إلَى الْإِمَامَةِ عَرَّضُوا بِقَوْلِ الرَّافِضَةِ الضُّلَّالِ لَكِنَّ أُولَئِكَ يُصَرِّحُونَ مِنْ السَّبِّ بِأَكْثَرِ مِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ هَؤُلَاءِ.
-
وَلِهَذَا تَجِدُ بَيْنَ " الرَّافِضَةِ " " وَالْقَرَامِطَةِ " " والاتحادية " اقْتِرَانًا وَاشْتِبَاهًا. يَجْمَعُهُمْ أُمُورٌ. مِنْهَا: الطَّعْنُ فِي خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَفِيمَا
ج ٥ ص ١٠٤اسْتَقَرَّ مِنْ أُصُولِ الْمِلَّةِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَيَدَعُونَ بَاطِنًا امْتَازُوا بِهِ وَاخْتَصُّوا بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مُتَلَاعِنُونَ مُتَبَاغِضُونَ مُخْتَلِفُونَ كَمَا رَأَيْت وَسَمِعْت مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى كَمَا قَالَ اللَّهُ عَنْ النَّصَارَى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} وَقَالَ عَنْ الْيَهُودِ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} . وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ المخلطون الَّذِينَ يَكُونُونَ تَارَةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ كَانُوا مُبْتَدِعِينَ - وَتَارَةً مَعَ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ. وَتَارَةً مَعَ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ. وَتَارَةً يُقَابِلُونَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ وَيَنْتَظِرُونَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ. وَتَارَةً يَتَحَيَّرُونَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ. وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ الْأَخِيرَةُ قَدْ كَثُرَتْ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا لَمَّا ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ التُّرْكِ عَلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِالْمَشْرِقِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ.
-
وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْإِسْلَامِ فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ وَالرِّدَّةِ مَا أَوْجَبَ تَسْلِيطَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. فَتَجِدُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ يَطْعَنُ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِ وَفِي إفَادَةِ الْأَخْبَارِ لِلْعِلْمِ. وَهَذَانِ هُمَا مُقَدِّمَتَا الزَّنْدَقَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. ثُمَّ يَعْتَمِدُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ مِثْلُ الْعِبَادَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِمَعَادِ الْأَجْسَادِ - بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى التَّفَاسِيرِ وَالْأَحَادِيثِ - يَجْعَلُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ؛ فَلَا يُعَطِّلُ تَعْطِيلَ
ج ٥ ص ١٠٥الْفَلَاسِفَةِ؛ الصَّابِئِينَ وَلَا يُقِرُّ إقْرَارَ الْحُنَفَاءِ الْعُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَذَلِكَ " الصَّحَابَةُ " وَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِعَدَالَتِهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ وَبِعِلْمِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ يَزْعُمُ فِي مَوَاضِعَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا شُبُهَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَمَا خَاضُوا فِيهِ إذْ لَمْ يَجِدْ مَأْثُورًا عَنْهُمْ التَّكَلُّمَ بِلُغَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَيَجْعَلُ هَذَا حُجَّةً لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ. . . (١) .
-
وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَقَالَاتُ لَا تَجِدُهَا إلَّا عِنْدَ أَجْهَلِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ وَأَظْلَمِهِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةِ والمتفلسفة وَالْمُتَشَيِّعَةِ والاتحادية فِي " الصَّحَابَةِ " مِثْلُ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَأَمِّرَةِ: أَنَا أَشْجَعُ مِنْهُمْ وَإِنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا مِثْلَ الْعَدُوِّ الَّذِي قَاتَلْنَاهُ وَلَا بَاشَرُوا الْحُرُوبَ مُبَاشَرَتَنَا وَلَا سَاسُوا سِيَاسَتَنَا وَهَذَا لَا تَجِدُهُ إلَّا فِي أَجْهَلِ الْمُلُوكِ وَأَظْلَمِهِمْ. فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ نَفْسَ أَلْفَاظِهِمْ وَمَا يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلَى بَيَانِ مُرَادِهِمْ مِنْ الْمَعَانِي لَمْ يَعْلَمُوهُ: فَهَذَا لَا يَضُرُّهُمْ؛ إذْ الْعِلْمُ بِلُغَاتِ الْأُمَمِ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرُّسُلِ وَأَصْحَابِهِمْ بَلْ يَجِبُ مِنْهُ مَا لَا يَتِمُّ التَّبْلِيغُ إلَّا بِهِ؛ فالمتوسطون بَيْنَهُمْ مِنْ التَّرَاجِمَةِ يَعْلَمُونَ لَفْظَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَعْنَاهُ. فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَيَانِ وَاحِدًا كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَإِلَّا عَلِمُوا مَا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ فَيَنْقُلُ لِكُلِّ مِنْهُمَا مُرَادَ صَاحِبِهِ؛ كَمَا يُصَوِّرُ الْمَعَانِيَ وَيُبَيِّنُ مَا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ التَّمَاثُلِ وَالتَّشَابُهِ وَالتَّقَارُبِ.
- ج ٥ ص ١٠٦
فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَعْلَمُونَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَفِيمَا جَاءَ بِهِ بَيَانُ الْحُجَّةِ عَلَى بُطْلَانِ كُفْرِ كُلِّ كَافِرٍ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِقِيَاسِ صَحِيحٍ أَحَقُّ وَأَحْسَنُ بَيَانًا مِنْ مَقَايِيسِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَأْتُونَهُ بِقِيَاسِ عَقْلِيٍّ لِبَاطِلِهِمْ إلَّا جَاءَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَجَاءَهُ مِنْ الْبَيَانِ وَالدَّلِيلِ وَضَرْبِ الْمَثَلِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ تَفْسِيرًا وَكَشْفًا وَإِيضَاحًا لِلْحَقِّ مِنْ قِيَاسِهِمْ. وَجَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الصَّابِئَةُ والمتفلسفة وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ - مِنْ حُكْمٍ أَوْ دَلِيلٍ - يَنْدَرِجُ فِيمَا عَلِمَهُ الصَّحَابَةُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ هَجَرَ الْقُرْآنَ فَهُوَ مِنْ أَعْدَاءِ الرَّسُولِ وَأَنَّ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا مَفَرَّ عَنْهُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} . وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ فِيمَا أَرْسَلَهُ بِهِ لِجَمِيعِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ لِجَمِيعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ.