تقارب ألفاظ العبرية للعربية
٥ فقرات، ج ٥ ص ١١٠
- ج ٥ ص ١١٠
وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُهُمْ يُحَدِّثُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحِينَئِذٍ يُسْتَشْهَدُ بِمَا عِنْدَهُمْ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِنْ وَجْهٍ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
-
وَالْأَلْفَاظُ الْعِبْرِيَّةُ تُقَارِبُ الْعَرَبِيَّةَ بَعْضَ الْمُقَارَبَةِ كَمَا تَتَقَارَبُ الْأَسْمَاءُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ. وَقَدْ سَمِعْت أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ بِالْعِبْرِيَّةِ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَوَجَدْت اللُّغَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ غَايَةَ التَّقَارُبِ حَتَّى صِرْت أَفْهَمُ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِمْ الْعِبْرِيِّ بِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ إمَّا مُقَارِبَةٌ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَوْ مِثْلُهَا أَوْ بِعَيْنِهَا وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي خَصَائِصُ عَظِيمَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ الْمُجَادِلُ مِنْهُمْ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَطْعَنُ فِي الْقُرْآنِ بِنَقْلِ أَوْ عَقْلٍ مِثْلَ أَنْ يَنْقُلَ عَمَّا فِي كُتُبِهِمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كُتُبِهِمْ كَزَعْمِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِتَحْمِيمِ الزَّانِي دُونَ رَجْمِهِ: أَمْكَنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَطْلُبُوا التَّوْرَاةَ وَمَنْ يَقْرَءُوهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَيُتَرْجِمَهَا مِنْ ثِقَاتِ التَّرَاجِمَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَنَحْوِهِ لَمَّا قَالَ لِحَبْرِهِمْ: " ارْفَعْ يَدَك عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ " فَإِذَا هِيَ تَلُوحُ. وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّانِيَيْنِ مِنْهُمَا بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ مِنْ كِتَابِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّجْمِ وَقَالَ: {اللَّهُمَّ إنِّي
ج ٥ ص ١١١أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَك إذْ أَمَاتُوهُ} وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي قَوْلِهِ: {إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} قَالَ -: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَهُوَ لَمْ يَحْكُمْ إلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} . وَكَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ نُسْخَةٍ مُتَرْجَمَةٍ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْ تَرْجَمَهَا الثِّقَاتُ بِالْخَطِّ وَاللَّفْظِ الْعَرَبِيَّيْنِ يَعْلَمُ بِهِمَا مَا عِنْدَهُمْ بِوَاسِطَةِ الْمُتَرْجِمِينَ الثِّقَاتِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ خَطَّهُمْ مِنَّا: كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَنَحْوِهِ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ فِي السُّنَنِ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي (بَابِ تَرْجَمَةِ الْحَاكِمِ وَهَلْ يَجُوزُ تُرْجُمَانٌ؟ قَالَ: وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ {عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْته كُتُبَهُمْ إذَا كَتَبُوا إلَيْهِ} . وَالْمُكَاتَبَةُ بِخَطِّهِمْ وَالْمُخَاطَبَةُ بِلُغَتِهِمْ: مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ مِثْلُ كِتَابَةِ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ بِالْخَطِّ الْعِبْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ خُطُوطِ الْأَعَاجِمِ وَكِتَابَةِ اللَّفْظِ الْعَجَمِيِّ بِالْخَطِّ الْعَرَبِيِّ وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . فَأُمِرْنَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُمْ إحْضَارَ التَّوْرَاةِ وَتِلَاوَتَهَا إنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي نَقْلِ
ج ٥ ص ١١٢مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَكْذِبُونَ فِي كَلَامِهِمْ وَكِتَابِهِمْ. فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ.
-
فَإِذَا احْتَجَّ أَحَدُهُمْ عَلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ بِرِوَايَةِ عَنْ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِثْلُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: " تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " أَمْكَنَنَا أَنْ نَقُولَ لَهُمْ: فِي أَيِّ كِتَابٍ هَذَا؟ أَحْضِرُوهُ - وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ مُفْتَرًى مَكْذُوبٌ وَعِنْدَهُمْ النُّبُوَّاتُ الَّتِي هِيَ مِئَتَانِ وَعِشْرُونَ و (كِتَابُ الْمَثْنَوِيِّ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمُثَنَّاةُ وَهِيَ الَّتِي جَعَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فِينَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَقَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْرَأَ فِيهِمْ بِالْمُثَنَّاةِ لَيْسَ أَحَدٌ يُغَيِّرُهَا قِيلَ: وَمَا الْمُثَنَّاةُ؟ قَالَ: مَا اُسْتُكْتِبَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ " . وَكَذَلِكَ إذَا سُئِلُوا عَمَّا فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لِتُقَامَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ بِمُوَافَقَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ: أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ ذَكَرُوا حُجَّةً عَقْلِيَّةً فُهِمَتْ أَيْضًا مِمَّا فِي الْقُرْآنِ بِرَدِّهَا إلَيْهِ: مِثْلُ إنْكَارِهِمْ لِلنَّسْخِ بِالْعَقْلِ حَتَّى قَالُوا: لَا يُنْسَخُ مَا حَرَّمَهُ وَلَا يُنْهَى عَمَّا أَمَرَ بِهِ. فَقَالَ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}
- ج ٥ ص ١١٣
قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ - " هُمْ الْيَهُودُ " فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . فَذَكَرَ مَا فِي النُّسَخِ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِالْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ الثَّانِي قَدْ يَكُونُ أَصْلَحَ وَأَنْفَعَ فَقَوْلُهُ: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} بَيَانٌ لِلْأَصْلَحِ الْأَنْفَعِ وَقَوْلُهُ: {مَنْ يَشَاءُ} رَدٌّ لِلْأَمْرِ إلَى الْمَشِيئَةِ. وَعَلَى بَعْضِ مَا فِي الْآيَةِ اعْتِمَادُ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قَالُوا: التَّكْلِيفُ إمَّا تَابِعٌ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ أَوْ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ وُقُوعَ النَّسْخِ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ فِي التَّوْرَاةِ بِأَنَّهُ أَحَلَّ لِإِسْرَائِيلَ أَشْيَاءَ ثُمَّ حَرَّمَهَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَنَّ هَذَا كَانَ تَحْلِيلًا شَرْعِيًّا بِخِطَابِ لَمْ يَكُونُوا اسْتَبَاحُوهُ بِمُجَرَّدِ الْبَقَاءِ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى لَا يَكُونَ رَفْعُهُ نَسْخًا كَمَا يَدَّعِيهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَأَمَرَ بِطَلَبِ التَّوْرَاةِ فِي ذَلِكَ. وَهَكَذَا وَجَدْنَاهُ فِيهَا كَمَا حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
-
وَهَكَذَا مُنَاظَرَةُ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّ الصَّابِئِيَّ الْفَيْلَسُوفَ إذَا ذَكَرَ مَا عِنْدَ قُدَمَاءِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ الْكَلَامِ - الَّذِي عُرِّبَ وَتُرْجِمَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَذَكَرَهُ - إمَّا صَرْفًا وَإِمَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَصَرَّفَ فِيهِ مُتَأَخِّرُوهُمْ بِزِيَادَةِ أَوْ نُقْصَانٍ وَبَسْطٍ وَاخْتِصَارٍ وَرَدِّ بَعْضِهِ وَإِتْيَانٍ بِمَعَانٍ