السفر للمسجد الحرام والمسجد الأقصى اقتداء بالأنبياء

فقرة واحدة، ج ٢٨ ص ٣٥١

  1. عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَلَا يُعْبَدُ غَيْرُهُ وَلَا يُتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُدْعَى إلَّا هُوَ وَلَا يُتَّقَى إلَّا هُوَ وَلَا يُصَلَّى وَلَا يُصَامُ إلَّا لَهُ وَلَا يُنْذَرُ إلَّا لَهُ وَلَا يُحْلَفُ إلَّا بِهِ وَلَا يُحَجُّ إلَّا إلَى بَيْتِهِ. فَالْحَجُّ الْوَاجِبُ لَيْسَ إلَّا إلَى أَفْضَلِ بُيُوتِهِ وَأَقْدَمِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. وَالسَّفَرُ الْمُسْتَحَبُّ لَيْسَ إلَّا إلَى مَسْجِدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا بَنَاهُمَا نَبِيَّانِ. فَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَسَّسَهُ عَلَى التَّقْوَى خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ وَمَسْجِدُ إيليا قَدْ كَانَ مَسْجِدًا قَبْلَ سُلَيْمَانَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّهُ لَك مَسْجِدٌ} . وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: {فَإِنَّ فِيهِ الْفَضْلَ} وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ. فَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى كَانَ مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَنَاهُ بِنَاءً عَظِيمًا. فَكُلٌّ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بَنَاهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ لِيُصَلِّيَ فِيهِ هُوَ وَالنَّاسُ. فَلَمَّا كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - تَقْصِدُ الصَّلَاةَ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ شُرِعَ السَّفَرُ إلَيْهِمَا لِلصَّلَاةِ فِيهِمَا وَالْعِبَادَةِ اقْتِدَاءً بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَتَأَسِّيًا بِهِمْ. كَمَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

    ج ٢٨ ص ٣٥٢لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِحَجِّهِ فَكَانُوا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ مِنْ زَمَنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَى النَّاسِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. كَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَفْرُوضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَمَّا نَزَلَتْ " سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ " . وَفِي الْبَقَرَةِ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِمَنْ شَرَعَ فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا كَانَ التَّطَوُّعُ بِهِمَا يُوجِبُ إتْمَامَهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ إنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ إيجَابٌ لَهُمَا ابْتِدَاءً وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ. فَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى كُلًّا مِنْهُمَا رَسُولٌ كَرِيمٌ وَدَعَا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهِمَا لِلْعِبَادَةِ فِيهِمَا. وَلَمْ يَبْنِ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَسْجِدًا وَدَعَا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ إلَّا هَذِهِ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ. وَلَكِنْ كَانَ لَهُمْ مَسَاجِدُ يُصَلُّونَ فِيهَا وَلَمْ يَدْعُوا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهَا كَمَا كَانَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي فِي مَوْضِعِهِ وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسُ إلَى حَجَّ الْبَيْتِ. وَلَا دَعَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلَى السَّفَرِ إلَى قَبْرِهِ وَلَا بَيْتِهِ وَلَا مَقَامِهِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آثَارِهِ بَلْ هُمْ دَعَوْا إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَهُمْ {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} .

    ج ٢٨ ص ٣٥١