المنامات لا يثبت بها شيء

فقرتان، ج ٢٨ ص ٤٥٧

  1. وَذَلِكَ الْمَشْهَدُ الْعَسْقَلَانِيُّ: أُحْدِثَ فِي آخِرِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا وَلَا كَانَ هُنَاكَ مَكَانٌ قَبْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ مُضَافٌ إلَى الْحُسَيْنِ وَلَا حَجَرٌ مَنْقُوشٌ وَلَا نَحْوُهُ مِمَّا يُقَالُ: إنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى ذَلِكَ. فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ إضَافَةَ مِثْلِ هَذَا إلَى الْحُسَيْنِ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ أَصْلًا. وَلَيْسَ مَعَ قَائِلِ ذَلِكَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَمَدًا لَا نَقْلٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إلَى بَعْضِ الْقُبُورِ الَّتِي بِأَحَدِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَيَدَّعِي أَنَّ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا رَأْسَ الْحُسَيْنِ أَوْ يَدَّعِي أَنَّ هَذَا قَبْرُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالضَّلَالِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ مَنْقُولٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَغَالِبُ مَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَأَى مَنَامًا أَوْ أَنَّهُ وَجَدَ بِذَلِكَ الْقَبْرِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى صَلَاحِ سَاكِنِهِ: إمَّا رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ وَإِمَّا تَوَهُّمُ خَرْقِ عَادَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَإِمَّا حِكَايَةٌ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: أَنَّهُ كَانَ يُعَظِّمُ ذَلِكَ الْقَبْرَ. فَأَمَّا الْمَنَامَاتُ فَكَثِيرٌ مِنْهَا بَلْ أَكْثَرُهَا كَذِبٌ وَقَدْ عَرَفْنَا فِي زَمَانِنَا بِمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ رَأَى مَنَامَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الْبِقَاعِ أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ أَنَّ فِيهِ أَثَرَ نَبِيٍّ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَكُونُ كَاذِبًا

    ج ٢٨ ص ٤٥٨وَهَذَا الشَّيْءُ مُنْتَشِرٌ. فَرَائِي الْمَنَامِ غَالِبًا مَا يَكُونُ كَاذِبًا وَبِتَقْدِيرِ صِدْقِهِ: فَقَدْ يَكُونُ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ شَيْطَانٌ. وَالرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: رُؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَرُؤْيَا مِنْ الشَّيْطَانِ} . فَإِذَا كَانَ جِنْسُ الرُّؤْيَا تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ. فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا عَنْ نَوْعٍ. وَمِنْ النَّاسِ - حَتَّى مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِي لَهُمْ ظَاهِرُ عِلْمٍ وَزُهْدٍ - مَنْ يَجْعَلُ مُسْتَنَدَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: حِكَايَةً يَحْكِيهَا عَنْ مَجْهُولٍ حَتَّى أَنَّ مِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَخِي الْخَضِرُ أَنَّ قَبْرَ الْخَضِرِ بِمَكَانِ كَذَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ كُلَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ رَأَى الْخَضِرَ أَوْ رَأَى مَنْ رَأَى الْخَضِرَ أَوْ سَمِعَ شَخْصًا رَأَى الْخَضِرَ أَوْ ظَنَّ الرَّائِي أَنَّهُ الْخَضِرُ: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الْجَهَلَةِ الْمُخَرِّفِينَ الَّذِينَ لَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ عِلْمٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا دِينٍ بَلْ هُمْ مِنْ الَّذِينَ لَا يَفْقَهُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ. وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ مِنْ وُجُودِ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ أَوْ خَرْقِ عَادَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقَبْرِ: فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِهِ. وَأَنَّهُ فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ بَلْ

    ج ٢٨ ص ٤٥٩غَايَةُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ - إذَا ثَبَتَ - أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ الْمَقْبُورِ وَأَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ نَبِيٍّ. وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الرَّائِحَةُ مِمَّا صَنَعَهُ بَعْضُ السُّوقَةِ. فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ ظَهَرَ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ رَجُلَانِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ اتَّخَذَ قَبْرًا تُجْبَى إلَيْهِ أَمْوَالٌ مِمَّنْ يَزُورُهُ وَيَنْذِرُ لَهُ مِنْ الضُّلَّالِ فَعَمَدَ الْآخَرُ إلَى قَبْرٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ قَبْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجَعَلَ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ مَا ظَهَرَتْ لَهُ رَائِحَةٌ عَظِيمَةٌ. وَقَدْ حَدَّثَنِي جِيرَانُ الْقَبْرِ الَّذِي بِجَبَلِ لُبْنَانَ بِالْبِقَاعِ الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ نُوحٍ وَكَانَ قَدْ ظَهَرَ قَرِيبًا فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ وَأَصْلُهُ: أَنَّهُمْ شَمُّوا مِنْ قَبْرٍ رَائِحَةً طَيِّبَةً وَوَجَدُوا عِظَامًا كَبِيرَةً فَقَالُوا: هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى كَبِيرِ خَلْقِ الْبِنْيَةِ فَقَالُوا - بِطَرِيقِ الظَّنِّ - هَذَا قَبْرُ نُوحٍ وَكَانَ بِالْبُقْعَةِ مَوْتَى كَثِيرُونَ مِنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ. وَكَذَلِكَ هَذَا الْمَشْهَدُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ: أَنَّهُ قَبْرُ بَعْضِ الْحَوَارِيِّينَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَقَدْ يُوجَدُ عِنْدَ قُبُورِ الْوَثَنِيِّينَ مِنْ جِنْسِ مَا يُوجَدُ عِنْدَ قُبُورِ الْمُؤْمِنِينَ؛ بَلْ إنَّ زَعْمَ الزَّاعِمِ أَنَّهُ قَبْرُ الْحُسَيْنِ ظَنٌّ وَتَخَرُّصٌ. وَكَانَ مِنْ الشُّيُوخِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ

    ج ٢٨ ص ٤٥٧
  2. بِالْقَاهِرَةِ مَنْ ذَكَرُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ قَبْرُ نَصْرَانِيٍّ. وَكَذَلِكَ بِدِمَشْقَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مَشْهَدٌ يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ أبي بْنِ كَعْبٍ. وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أبيا لَمْ يَقْدَمْ دِمَشْقَ. وَإِنَّمَا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. فَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: إنَّهُ قَبْرُ نَصْرَانِيٍّ. وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى هُمْ السَّابِقُونَ فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ. وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى: اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا} . وَالنَّصَارَى أَشَدُّ غُلُوًّا فِي ذَلِكَ مِنْ الْيَهُودِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَتْ لَهُ أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَنِيسَةً بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا. فَقَالَ: إنَّ أُولَئِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . وَالنَّصَارَى كَثِيرًا مَا يُعَظِّمُونَ آثَارَ الْقِدِّيسِينَ مِنْهُمْ. فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنَّهُمْ أَلْقَوْا إلَى بَعْضِ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا قَبْرُ بَعْضِ مَنْ يُعَظِّمُهُ الْمُسْلِمُونَ لِيُوَافِقُوهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِ. كَيْفَ لَا؟ وَهُمْ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا مِنْ

    ج ٢٨ ص ٤٦٠