فصل: في التدليل على أن مشهد الحسين ليس فيه رأسه
٤ فقرات، ج ٢٨ ص ٤٦٥
- ج ٢٨ ص ٤٦٥
مُسْلِمٍ: الْحُسَيْنِ أَوْ غَيْرِهِ - قَوْلًا زُورًا وَكَذِبًا مَرْدُودًا عَلَى قَائِلِهِ. فَهَذَا كَافٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: هَذَا " مَشْهَدُ الْحُسَيْنِ " .
- فَصْلٌ:
-
ثُمَّ نَقُولُ: بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ وَنَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رَأْسُ الْحُسَيْنِ وَلَا كَانَ ذَلِكَ الْمَشْهَدُ الْعَسْقَلَانِيُّ مَشْهَدًا لِلْحُسَيْنِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ هُنَاكَ لَمْ يَتَأَخَّرْ كَشْفُهُ وَإِظْهَارُهُ إلَى مَا بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وَدَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ انْقَرَضَتْ قَبْلَ ظُهُورِ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةٍ. وَقَدْ جَاءَتْ خِلَافَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَظَهَرَ فِي أَثْنَائِهَا مِنْ الْمَشَاهِدِ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِ الْعِرَاقِ مَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْهَا كَذِبًا. وَكَانُوا عِنْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بِكَرْبَلَاءَ قَدْ بَنَوْا هُنَاكَ مَشْهَدًا. وَكَانَ يَنْتَابُهُ أُمَرَاءُ عُظَمَاءُ حَتَّى أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ الْأَئِمَّةُ. وَحَتَّى إنَّ الْمُتَوَكِّلَ لَمَّا تَقَدَّمُوا لَهُ بِأَشْيَاءَ يُقَالُ: إنَّهُ بَالَغَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ وَزَادَ عَلَى الْوَاجِبِ. دَعْ خِلَافَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي أَوَائِلِهَا وَفِي حَالِ اسْتِقَامَتِهَا فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا يُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ سَوَاءٌ مِنْهَا مَا كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا كَمَا
ج ٢٨ ص ٤٦٦حَدَثَ فِيمَا بَعْدُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ كَانَ حِينَئِذٍ مَا يَزَالُ فِي قُوَّتِهِ وَعُنْفُوَانِهِ. وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَا فِي الْحِجَازِ وَلَا الْيَمَنِ وَلَا الشَّامِ وَلَا الْعِرَاقِ وَلَا مِصْرَ وَلَا خُرَاسَانَ وَلَا الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ أُحْدِثَ مَشْهَدٌ لَا عَلَى قَبْرِ نَبِيٍّ وَلَا صَاحِبٍ وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَلَا صَالِحٍ أَصْلًا؛ بَلْ عَامَّةُ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ مُحْدَثَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ ظُهُورُهَا وَانْتِشَارُهَا حِينَ ضَعُفَتْ خِلَافَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ وَتَفَرَّقَتْ الْأُمَّةُ وَكَثُرَ فِيهِمْ الزَّنَادِقَةُ الْمُلَبِّسُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفَشَتْ فِيهِمْ كَلِمَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَذَلِكَ مِنْ دَوْلَةِ الْمُقْتَدِرِ فِي أَوَاخِرَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ. فَإِنَّهُ إذْ ذَاكَ ظَهَرَتْ الْقَرَامِطَةُ العبيدية القداحية بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ. ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَرْضِ مِصْرَ. وَيُقَالُ: إنَّهُ حَدَثَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ: الْمُكُوسُ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ظَهَرَ بَنُو بويه. وَكَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ زَنْدَقَةٌ وَبِدَعٌ قَوِيَّةٌ. وَفِي دَوْلَتِهِمْ قَوِيَ بَنُو عُبَيْدٍ الْقَدَّاحِ بِأَرْضِ مِصْرَ وَفِي دَوْلَتِهِمْ أُظْهِرَ الْمَشْهَدُ الْمَنْسُوبُ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَاحِيَةِ النَّجَفِ وَإِلَّا فَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ: إنَّ قَبْرَ عَلِيٍّ هُنَاكَ وَإِنَّمَا دُفِنَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى عَنْ الرَّشِيدِ: أَنَّهُ جَاءَ إلَى بُقْعَةٍ هُنَاكَ وَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إلَى الْمَدْفُونِ فِيهَا فَقَالُوا: إنَّهُ عَلِيٌّ وَأَنَّهُ اعْتَذَرَ إلَيْهِ مِمَّا فَعَلَ بِوَلَدِهِ فَقَالُوا: هَذَا قَبْرُ عَلِيٍّ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ
ج ٢٨ ص ٤٦٧إنَّهُ قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَإِذَا كَانَ بَنُو بويه وَبَنُو عُبَيْدٍ - مَعَ مَا كَانَ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْغُلُوِّ فِي التَّشَيُّعِ. حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ بِبَغْدَادَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ مِثْلُ تَعْلِيقِ الْمُسُوحِ عَلَى الْأَبْوَابِ وَإِخْرَاجِ النَّوَائِحِ بِالْأَسْوَاقِ وَكَانَ الْأَمْرُ يُفْضِي فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَى قِتَالٍ تَعْجِزُ الْمُلُوكُ عَنْ دَفْعِهِ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ خَرَجَ الخرقي - صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فِي الْفِقْهِ - مِنْ بَغْدَادُ لَمَّا ظَهَرَ بِهَا سَبُّ السَّلَفِ. وَبَلَغَ مِنْ أَمْرِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَشْرِقِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَبَقِيَ مَعَهُمْ مُدَّةٌ وَأَنَّهُمْ قَتَلُوا الْحُجَّاجَ وَأَلْقَوْهُمْ بِبِئْرِ زَمْزَمَ. فَإِذَا كَانَ مَعَ كُلِّ هَذَا لَمْ يَظْهَرْ حَتَّى مَشْهَدٌ لِلْحُسَيْنِ بِعَسْقَلَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَأْسُهُ بِعَسْقَلَانَ لَكَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِذَا كَانَ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي وَالتَّمَكُّنِ وَالْقُدْرَةِ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَكْذُوبٌ مِثْلُ مِنْ يَدَّعِي أَنَّهُ شَرِيفٌ عَلَوِيٌّ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ أَجْدَادِهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا فَإِنَّهُ بِهَذَا يُعْلَمُ كَذِبُ هَذَا الْمُدَّعِي وَبِمِثْلِ ذَلِكَ عَلِمْنَا كَذِبَ مَنْ يَدَّعِي النَّصَّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ.
- ج ٢٨ ص ٤٦٨
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا أَخْبَارَ الْحُسَيْنِ وَمَقْتَلِهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَأَبِي الْقَاسِمِ البغوي وَغَيْرِهِمَا - لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى عَسْقَلَانَ وَلَا إلَى الْقَاهِرَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُلَقَّبِ بـ " الْعِلْمُ الْمَشْهُورُ فِي فَضَائِلِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ " ذَكَرَ أَنَّ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّأْسَ لَمْ يَغْتَرِبْ وَذَكَرَ هَذَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَشْهَدَ الَّذِي بِالْقَاهِرَةِ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وَأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُؤَرِّخِينَ: أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى الْمَدِينَة. وَدُفِنَ عِنْدَ أَخِيهِ الْحَسَنِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنْ الزُّبَيْرَ بْنَ بكار صَاحِبَ " كِتَابِ الْأَنْسَابِ " وَمُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ كَاتِبَ الواقدي وَصَاحِبَ الطَّبَقَاتِ وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْمَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ وَالثِّقَةِ وَالِاطِّلَاعِ: أَعْلَمُ بِهَذَا الْبَابِ وَأَصْدَقُ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ الْجَاهِلِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَمِنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّوَارِيخِ الَّذِينَ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِمْ وَلَا صِدْقِهِمْ بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ صَادِقًا وَلَكِنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْأَسَانِيدِ حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَ الْمَقْبُولِ وَالْمَرْدُودِ أَوْ يَكُونُ سَيِّئَ الْحِفْظِ أَوْ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ أَوْ بِالتَّزَيُّدِ فِي الرِّوَايَةِ كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِيِّينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ