سئل: هل في هذه الأمة قوم صالحون غيبهم الله، لا يراهم إلا من أرادوا؟
٣ فقرات، ج ٢٨ ص ٤٩٧
- ج ٢٨ ص ٤٩٧
هَلْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقْوَامٌ صَالِحُونَ غَيَّبَهُمْ اللَّهُ عَنْ النَّاسِ لَا يَرَاهُمْ إلَّا مَنْ أَرَادُوا؟ وَلَوْ كَانُوا بَيْنَ النَّاسِ فَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِحَالِهِمْ؟ وَهَلْ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا غَائِبِينَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَخَذُوا مِنْ النَّاسِ وَاحِدًا غَيْرَهُ يَغِيبُ مَعَهُمْ كَمَا يَغِيبُونَ؟ وَكُلُّ أُولَئِكَ تُطْوَى بِهِمْ الْأَرْضُ وَيَحُجُّونَ وَيُسَافِرُونَ مَا مَسِيرَتُهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً فِي سَاعَةٍ وَمِنْهُمْ قَوْمٌ يَطِيرُونَ كَالطُّيُورِ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ الْمَغِيبَاتِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ وَيَأْكُلُونَ الْعِظَامَ وَالطِّينَ وَيَجِدُونَهُ طَعَامًا وَحَلَاوَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ .
- فَأَجَابَ:
-
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا وُجُودُ أَقْوَامٍ يَحْتَجِبُونَ عَنْ النَّاسِ دَائِمًا فَهَذَا بَاطِلٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْأَنْبِيَاء وَلَا الْأَوْلِيَاءِ وَلَا السَّحَرَةِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَحْتَجِبُ الرَّجُلُ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: إمَّا كَرَامَةً لِوَلِيِّ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ السِّحْرِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ مِنْهَا مَا هُوَ حَالٌ رَحْمَانِيٌّ وَهُوَ كَرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ. وَمِنْهُ مَا هُوَ حَالٌ نَفْسَانِيٌّ أَوْ شَيْطَانِيٌّ كَمَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ
ج ٢٨ ص ٤٩٨الْكُفَّارِ أَنْ يُكَاشَفَ أَحْيَانًا وَكَمَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ الْكُهَّانِ أَنْ تُخْبِرَهُ الشَّيَاطِينُ بِأَشْيَاءَ. وَأَحْوَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ هِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَحْمِلُهُ الشَّيَاطِينُ فَتَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْقُصُ فِي الْهَوَاءِ. وَمِنْهُمْ مِنْ يَلْبِسُهُ الشَّيْطَانُ فَلَا يُحِسُّ بِالضَّرْبِ وَلَا بِالنَّارِ إذَا أُلْقِيَ فِيهَا؛ لَكِنَّهَا لَا تَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا أَوْ سَلَامًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا لِأَهْلِ الْأَحْوَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَأَهْلِ الْإِشَارَاتِ - الَّتِي هِيَ فَسَادَاتٌ مِنْ اللَّاذَنِ وَالزَّعْفَرَانِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - هُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ: فَجُمْهُورُهُمْ أَرْبَابُ مُحَالٍ بهتاني وَخَوَاصُّهُمْ لَهُمْ حَالٌ شَيْطَانِيٌّ؛ وَلَيْسَ فِيهِمْ وَلِيٌّ لِلَّهِ بَلْ هُمْ مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ مِنْ جِنْسِ التتر. وَلَيْسَ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ وَلَا غَيْرِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يُقِيمُونَ هُنَاكَ وَلَا هُنَاكَ مِنْ يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ دَائِمًا وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي أَنَّ الْأَبْدَالَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ يَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَبِحَسَبِ قِلَّةِ ذَلِكَ. كَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ فَلَمَّا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فَهَذَا يَكُونُ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ وَيَكُونُ لِبَعْضِ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ؛ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَرَامَاتِ؛ بَلْ الَّذِي