سئل عن فضائل الرمي وتعليمه
فقرتان، ج ٢٩ ص ٧
- ج ٢٩ ص ٧
الْمَسْئُولُ مِنْ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ الْقَادَةِ الْفُضَلَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -:
أَنْ يُخْبِرُونَا بِفَضَائِلِ الرَّمْيِ وَتَعْلِيمِهِ؛ وَمَا وَرَدَ فِيمَنْ تَرَكَهُ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ؛ وَأَيُّمَا أَفْضَلُ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ أَوْ الطَّعْنُ بِالرُّمْحِ؟ أَوْ الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ؟ وَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَمَحَلٌّ يَلِيقُ بِهِ؟ . وَإِذَا عَلَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا الرَّمْيَ أَوْ الطَّعْنَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَحَدَ تَعْلِيمَهُ؛ وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ وَانْتَمَى إلَيْهِ: هَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ لِهَذَا الْمُنْتَقِلِ: أَنْتَ مَهْدُورٌ أَوْ تُقْتَلُ: أَثِمَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ زَادَ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَقِيطٌ أَوْ وَلَدُ زِنَا: يُعَدُّ قَذْفًا وَيُحَدُّ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ . وَهَلْ يَحِلُّ لِلْأُسْتَاذِ الثَّانِي أَنْ يَقْبَلَ هَذَا الْمُنْتَقِلَ وَيُعَزِّرَهُ عَلَى جَحْدِهِ لِمُعَلِّمِهِ؟ وَإِذَا قَالَ الْمُنْتَقِلُ: أَنَا أَنْتَمِي إلَى فُلَانٍ تَعْلِيمًا وَتَخْرِيجًا وَإِلَى فُلَانٍ إفَادَةً وَتَفْهِيمًا: هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ
ج ٢٩ ص ٨يَقُومَ فِي وَسَطِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُسْتَاذَيْنِ والمتعلمين وَيَقُولَ: يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَسْأَلُكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا فُلَانًا أَنْ يَقْبَلَنِي أَنْ أَكُونَ لَهُ أَخًا أَوْ رَفِيقًا أَوْ غُلَامًا أَوْ تِلْمِيذًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَيَقُومَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ فَيَأْخُذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُهُ وَيَشُدَّ وَسَطَهُ بِمَنْدِيلِ أَوْ غَيْرِهِ: فَهَلْ يَسُوغُ هَذَا الْفِعْلُ أَمْ لَا؟ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَامَاةِ وَالْعَصَبِيَّةِ لِأُسْتَاذِ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ لِكُلِّ مِنْ الْأُسْتَاذَيْنِ إخْوَانٌ وَرُفَقَاءُ وَأَحْزَابٌ وَتَلَامِذَةٌ يَقُومُونَ مَعَهُ إذَا قَامَ بِحَقِّ أَوْ بَاطِلٍ وَيُعَادُونَ مَنْ عَادَاهُ وَيُوَالُونَ مَنْ وَالَاهُ. وَهَلْ إذَا اجْتَمَعُوا لِلرَّمْيِ عَلَى رَهْنٍ هَلْ يَحِلُّ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الْأُسْتَاذِ إذَا فَعَلَ التَّلَامِذَةُ مَا لَا يَحِلُّ فِي الدِّينِ وَيُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ إذَا شَدَّ الْمُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ وَحَصَلَ بِذَلِكَ هِبَةٌ وَكَرَامَةٌ - وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يَرْجِعُ إلَى الْأُسْتَاذِ - يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْأُسْتَاذِ أَنْ يَقْبَلَ أُجْرَةً أَوْ هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً؟ فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ تَلْحَقُهُ كُلْفَةٌ مِنْ آلَاتٍ وَغَيْرِهَا. أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَأَرْشِدُونَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ أَجْمَعِينَ.
-
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّمْيُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالطَّعْنُ فِي سَبِيلِ
ج ٢٩ ص ٩اللَّهِ. وَالضَّرْبُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى: بِهِ وَرَسُولُهُ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّلَاثَةَ فَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: " {أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ} . وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " {ارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} . وَفِي رِوَايَةٍ: " {وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا} . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ إلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ. فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ} . وَقَالَ: " {سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمْ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ} . وَقَالَ مَكْحُولٌ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى الشَّامِ: أَنْ عَلِّمُوا
ج ٢٩ ص ١٠عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ الرَّمْيَ وَالْفُرُوسِيَّةَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا} . {وَمَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ} . وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {نَثَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي نَفَضَ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ - وَقَالَ: ارْمِ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي} وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: {مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدِ إلَّا لِسَعْدِ: قَالَ لَهُ: ارْمِ سَعْدُ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي} . وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةٍ} وَكَانَ إذَا كَانَ فِي الْجَيْشِ جَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ فَقَالَ: نَفْسِي لِنَفْسِك الْفِدَاءُ وَوَجْهِي لِوَجْهِك الْوِقَاءُ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ السَّيْفُ وَالْقَوْسُ وَالرُّمْحُ. وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
ج ٢٩ ص ١١{مَنْ رَمَى بِسَهْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - بَلَغَ الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ - كَانَتْ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ} . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ؛ وَالرَّامِيَ بِهِ وَالْمُمِدَّ بِهِ} وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ أَعْمَالُ الْجِهَادِ وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ وَتَطَوُّعُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . وَفِي الصَّحِيحِ {أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ إذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ} فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ وَمِنْ