الرد على من زعم أن العقول والنفوس متولدة عن الله
٤ فقرات، ج ٥ ص ١٢٧
- ج ٥ ص ١٢٧
{عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ} . وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: وَعَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ} . وَأَمْثَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَوْصَافِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ: مَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ " الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ " أَوْ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ هُوَ " الْعَقْلُ الْفَعَّالُ " وَتَكُونَ مَلَائِكَةُ الْآدَمِيِّينَ هِيَ الْقُوَى الصَّالِحَةُ وَالشَّيَاطِينُ هِيَ الْقُوَى الْفَاسِدَةُ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ.
-
وَأَيْضًا فَزَعْمُهُمْ أَنَّ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ - الَّتِي جَعَلُوهَا الْمَلَائِكَةَ وَزَعَمُوا أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ عَنْ اللَّهِ صَادِرَةٌ عَنْ ذَاتِهِ صُدُورَ الْمَعْلُولِ عَنْ عِلَّتِهِ - هُوَ قَوْلٌ بِتَوَلُّدِهَا عَنْ اللَّهِ. وَأَنَّ اللَّهَ وَلَدَ الْمَلَائِكَةَ. وَهَذَا مِمَّا رَدَّهُ اللَّهُ وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ وَكَذَّبَ قَائِلَهُ وَبَيَّنَ كَذِبَهُ بِقَوْلِهِ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ} {وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} {أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ} {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَبِقَوْلِهِ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ
ج ٥ ص ١٢٨الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} وقَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا} {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} {إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} . فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ مُعَبَّدُونَ. أَيْ مُذَلَّلُونَ مصرفون مَدِينُونَ مَقْهُورُونَ لَيْسُوا كَالْمَعْلُولِ الْمُتَوَلِّدِ تَوَلُّدًا لَازِمًا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ ذَلِكَ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ عِبَادٌ لِلَّهِ لَا يُشَبَّهُونَ بِهِ كَمَا يُشَبَّهُ الْمَعْلُولُ بِالْعِلَّةِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ كَمَا يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي كُلَّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ " كُنْ " لَا بِتَوَلُّدِ الْمَعْلُولِ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
- ج ٥ ص ١٢٩
فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوَلُّدَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ كَمَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ عَنْ مُقَدِّمَتَيْنِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَعْلُولَاتِ الْمَعْلُومَةُ لَا يَحْدُثُ الْمَعْلُولُ إلَّا بِاقْتِرَانِ مَا تَتِمُّ بِهِ الْعِلَّةُ. فَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ وَحْدَهُ فَلَا يَكُونُ عِلَّةً وَلَا وَالِدًا قَطُّ لَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ إلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ وَلَوْ أَنَّهُمَا الْفَاعِلُ وَالْقَابِلُ كَالنَّارِ وَالْحَطَبِ وَالشَّمْسِ وَالْأَرْضِ فَأَمَّا الْوَاحِدُ وَحْدَهُ فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَوَلَّدُ. فَبَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا طَرِيقَ الْقِيَاسِ فِي الْعِلَّةِ وَالتَّوَلُّدِ حَيْثُ جَعَلُوا الْعَالَمَ يَصْدُرُ عَنْهُ بِالتَّعْلِيلِ وَالتَّوَلُّدِ. وَكَذَلِكَ قَالَ: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ؟ خِلَافُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الصَّادِرَ عَنْهُ وَاحِدٌ. وَهَذَا وَفَاءٌ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} إذْ قَدْ تَكَفَّلَ بِذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنْ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ فَقَالَ تَعَالَى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (فَذَكَرَ) الْوَحْدَانِيَّةَ وَالرِّسَالَةَ إلَى قَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ فَهُوَ ظَالِمٌ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَالْمُبْتَدِعُ ظَالِمٌ بِقَدْرِ مَا خَالَفَ مِنْ سُنَّتِهِ {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ
ج ٥ ص ١٣٠عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} . وَهَؤُلَاءِ الصَّابِئَةُ قَدْ أَتَوْا بِمَثَلٍ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ وَالرَّبُّ وَاحِدٌ فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ " فَأَتَى اللَّهُ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا وَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا وَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّدْ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقًا وَأَنَّهُ خَلَقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ - وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ - فِي الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ: " أَنَّ الشَّفْعَ هُوَ الْخَلْقُ فَكُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ نَظِيرٌ وَالْوِتْرُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا شَبِيهَ لَهُ " فَقَالَ: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} . وَذَلِكَ أَنَّ الْآثَارَ الصَّادِرَةَ عَنْ الْعِلَلِ والمتولدات فِي الْمَوْجُودَاتِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَيْئَيْنِ (أَحَدُهُمَا: يَكُونُ كَالْأَبِ. (وَالْآخَرُ: يَكُونُ كَالْأُمِّ الْقَابِلَةِ. وَقَدْ يُسَمُّونَ ذَلِكَ الْفَاعِلَ وَالْقَابِلَ كَالشَّمْسِ مَعَ الْأَرْضِ وَالنَّارِ مَعَ الْحَطَبِ فَأَمَّا صُدُورُ شَيْءٍ وَاحِدٍ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَهَذَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْوُجُودِ أَصْلًا. وَأَمَّا تَشْبِيهُهُمْ ذَلِكَ بِالشُّعَاعِ مَعَ الشَّمْسِ وَبِالصَّوْتِ - كَالطَّنِينِ - مَعَ الْحَرَكَةِ وَالنَّقْرِ فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ: أَنَّ الشُّعَاعَ إنْ
ج ٥ ص ١٣١أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ مَا يَقُومُ بِالشَّمْسِ: فَذَلِكَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهَا وَصِفَاتُ الْخَالِقِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً وَلَا هِيَ مِنْ الْعَالَمِ الَّذِي فِيهِ الْكَلَامُ. وَإِنْ أُرِيدَ بِالشُّعَاعِ مَا يَنْعَكِسُ عَلَى الْأَرْضِ: فَذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ وَهُمَا الشَّمْسُ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأَبِ الْفَاعِلِ وَالْأَرْضِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأُمِّ الْقَابِلَةِ. وَهِيَ الصَّاحِبَةُ لِلشَّمْسِ. وَكَذَلِكَ الصَّوْتُ لَا يَتَوَلَّدُ إلَّا عَنْ جِسْمَيْنِ يَقْرَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يُقْلِعُ عَنْهُ فَيَتَوَلَّدُ الصَّوْتُ الْمَوْجُودُ فِي أَجْسَامِ الْعَالَمِ عَنْ أَصْلَيْنِ يَقْرَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يُقْلِعُ عَنْهُ. فَمَهْمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ فَاَلَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ وَأَحْسَنُ تَفْسِيرًا وَأَحْسَنُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا لِلْحَقِّ وَكَشْفًا لَهُ. وَأَيْضًا فَجَعَلَهَا عِلَّةً تَامَّةً لِمَا تَحْتَهَا وَمُؤَكِّدَةً لَهُ وَمُوجِبَةً لَهُ حَتَّى يَجْعَلُونَهَا مَبَادِئَنَا وَيَجْعَلُونَهَا لَنَا كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَرُبَّمَا جَعَلُوا الْعَقْلَ هُوَ الْأَبُ وَالنَّفْسُ هِيَ الْأُمُّ. وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: " الْوَالِدَانِ " الْعَقْلُ وَالطَّبِيعَةُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْفُصُوصِ فِي قَوْلِ نُوحٍ {اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} أَيْ مَنْ كُنْت نَتِيجَةً عَنْهُمَا وَهُمَا الْعَقْلُ وَالطَّبِيعَةُ. وَحَتَّى يُسَمُّونَهَا الْأَرْبَابَ وَالْآلِهَةَ الصُّغْرَى وَيَعْبُدُونَهَا. وَهُوَ كُفْرٌ مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
- ج ٥ ص ١٣٢
وَبِهَذَا وَصَفَ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّابِئَةَ بِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُعَرَّبَةِ عَنْ قُدَمَائِهِمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهَا الْآلِهَةَ وَالْأَرْبَابَ الصُّغْرَى كَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ أَيْضًا. وَالْقُرْآنُ يَنْفِي أَنْ تَكُونَ أَرْبَابًا أَوْ أَنْ تَكُونَ آلِهَةً وَيَكُونَ لَهَا غَيْرُ مَا لِلرَّسُولِ الَّذِي لَا يَفْعَلُ إلَّا بَعْدَ أَمْرِ مُرْسِلِهِ وَلَا يَشْفَعُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ. وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ زَعَمَهُ مِنْ الْعَرَبِ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ فِي صَعْقِ الْمَلَائِكَةِ إذَا قَضَى اللَّهُ بِالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ أَوْ بِالْوَحْيِ الدِّينِيِّ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} وَقَالَ تَعَالَى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} الْآيَةَ.