قولهم: الرسول يعرف الكيمياء كذب

٧ فقرات، ج ٣٠ ص ٣٧٠

  1. فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً} . وَقَدْ ثَبَتَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ} وَقَالَ: {مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخِ} وَقَالَ: {إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ} . وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَيْسَ فِيهِ تَلْبِيسٌ وَغِشٌّ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ صُورَةَ الْحَيَوَانِ الْمُصَوَّرَةَ لَيْسَتْ حَيَوَانًا. وَلِهَذَا يُفَرَّقُ فِي هَذَا التَّصْوِيرِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ فَيَجُوزُ تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَالْمَعَادِنِ فِي الثِّيَابِ وَالْحِيطَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخِ} وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمُسْتَفْتِي الَّذِي اسْتَفْتَاهُ: صَوِّرْ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ. وَفِي السُّنَنِ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ فِي الصُّورَةِ: مُرْ بِالرَّأْسِ فَلْيُقْطَعْ} وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: الصُّورَةُ هِيَ الرَّأْسُ لَا يَبْقَى فِيهَا رُوحٌ فَيَبْقَى مِثْلُ الْجَمَادَاتِ. وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَيْسَ فِيهِ غِشٌّ وَلَا تَلْبِيسٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُصَوَّرِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ. وَأَمَّا الْكِيمْيَاءُ: فَإِنَّهُ يُشَبِّهُ فِيهَا الْمَصْنُوعَ بِالْمَخْلُوقِ وَقَصَدَ أَهْلُهَا إمَّا

    ج ٣٠ ص ٣٧١إنْ تُجْعَلَ هَذَا كَهَذَا فَيُنْفِقُونَهُ وَيُعَامِلُونَ بِهِ النَّاسَ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْغِشِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَوَجَدَهُ مَبْلُولًا. فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ - يَعْنِي الْمَطَرَ - فَقَالَ هَلَّا وَضَعْت هَذَا عَلَى وَجْهِهِ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا} وَقَوْلُهُ: {مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا} كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ فِي كُلِّ غَاشٍّ. وَأَهْلُ الْكِيمْيَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ غِشًّا؛ وَلِهَذَا لَا يُظْهِرُونَ النَّاسَ إذَا عَامَلُوهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْكِيمْيَاءِ وَلَوْ أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرُوهُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُرِيدُ غِشَّهُمْ. وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَغْشُوشِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ غِشِّهِ وَإِنْ بَيَّنَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَغْشُوشٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ وَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ لِلشُّرْبِ} وَبَيْعُ الْمَغْشُوشِ لِمَنْ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْكِيمْيَاءُ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ الْغِشِّ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ عَمَلُهَا وَلَا بَيْعُهَا بِحَالِ. مَعَ أَنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْكِيمْيَاءِ لَمْ يَشْتَرُوهُ. وَلَوْ قِيلَ لَهُمْ: إنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى الروباص أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ الْقُلُوبُ مَفْطُورَةٌ عَلَى إنْكَارِ ذَلِكَ. وَالْوُلَاةُ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَجِدُونَهُ يَعْمَلُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُنْكِرَهُ فِي الظَّاهِرِ؛

    ج ٣٠ ص ٣٧٠
  2. لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ فِي فِطْرِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا تَجِدُ مَنْ يُعَانِي ذَلِكَ إلَّا مُسْتَخْفِيًا بِذَلِكَ أَوْ مُسْتَعِينًا بِذِي جَاهٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ وَسَوَادِ الْوُجُوهِ: مَا عَلَى أَهْلِ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ وَالتَّدْلِيسِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} . قَالَ أَبُو قلابة: هِيَ لِكُلِّ مُفْتَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ فِرْيَةٍ وَغِشٍّ وَتَدْلِيسٍ فِي الدِّينِ وَكِلَاهُمَا مِنْ الْمُفْتَرِينَ. وَأَمَّا الْقُدَمَاءُ فَقَدْ قَالُوا: إنَّ الصِّنَاعَةَ لَا تَعْمَلُ عَمَلَ الطَّبِيعَةِ وَأَخْبَرُوا أَنَّ الْمَصْنُوعَ لَا يَكُونُ كَالْمَطْبُوعِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُصَنِّفُونَ مِنْهُمْ فِي الْكِيمْيَاءِ إذَا حَقَّقُوا قَالُوا: لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا إنَّمَا هُوَ التَّشْبِيهُ فَالطَّرِيقُ فِي التَّشْبِيهِ كَذَا وَكَذَا. فَيَسْلُكُونَ الطُّرُقَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّشْبِيهُ وَهِيَ مَعَ تَنَوُّعِهَا وَكَثْرَتِهَا وَوُصُولِ جَمَاعَاتٍ إلَيْهَا وَاتِّفَاقِهِمْ فِيهَا: عُسْرَةٌ عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ كَثِيرَةُ الْآفَاتِ وَالْمُنْقَطِعُ عَنْ الْوُصُولِ أَضْعَافُ الْوَاصِلِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فَجَمَاهِيرُ مَنْ يَطْلُبُ الْكِيمْيَاءَ لَا يَصِلُ إلَى الْمَصْنُوعِ الَّذِي هُوَ مَغْشُوشٌ بَاطِلٌ طَبْعًا مُحَرَّمٌ شَرْعًا؛ بَلْ هُمْ يَطْلُبُونَ الْبَاطِلَ الْحَرَامَ وَيَتَمَنَّوْهُ وَيَتَحَاكَوْنَ فِيهِ الْحِكَايَاتِ وَيُطَالِعُونَ فِيهِ الْمُصَنَّفَاتِ وَيُنْشِدُونَ فِيهِ الْأَشْعَارَ وَلَا يَصِلُونَ إلَى حَقِيقَةِ الْكِيمْيَاءِ - وَهُوَ الْمَغْشُوشُ - بِمَنْزِلَةِ اتِّبَاعِ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي فِي السِّرْدَابِ وَاتِّبَاعِ رِجَالِ الْغَيْبِ الَّذِينَ لَا يَرَاهُمْ

    ج ٣٠ ص ٣٧٣أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ مُعْتَقِدِينَ وُجُودَهُ وَيَمُوتُونَ وَهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ وَإِنْ وَصَلُوا إلَى مَنْ يَدَّعِي لِقَاءَهُ مِنْ الْكَذَّابِينَ. وَكَذَلِكَ طُلَّابُ الْكِيمْيَاءِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ: " الحدبان " لِكَثْرَةِ انْحِنَائِهِمْ عَلَى النَّفْخِ فِي الْكِيرِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى الْحَرَامِ وَلَا يَنَالُونَ الْمَغْشُوشَ وَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَيَصِلُونَ إلَى الْكِيمْيَاءِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بَاطِلَةٌ لَكِنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ. مِنْهَا مَا يَسْتَحِيلُ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ وَمِنْهَا مَا يَسْتَحِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ الْمَصْنُوعَ يَسْتَحِيلُ وَيَفْسُدُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ؛ بِخِلَافِ الذَّهَبِ الْمَعْدِنِيِّ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ وَلَا يَسْتَحِيلُ؛ وَلِهَذَا ذَكَرُوا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ زَكَرِيَّا الرَّازِيَّ الْمُتَطَبِّبَ - كَانَ مِنْ الْمُصَحِّحِينَ لِلْكِيمْيَاءِ - عَمِلَ ذَهَبًا وَبَاعَهُ لِلنَّصَارَى فَلَمَّا وَصَلُوا إلَى بِلَادِهِمْ اسْتَحَالَ فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ فِي الْأَطِبَّاءِ مَنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي صِنَاعَةِ الْكِيمْيَاءِ مِنْهُ. وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ هُمْ أَحْذَقُ فِي الْفَلْسَفَةِ مِنْهُ مِثْلَ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ الْكِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ. فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا الْكِيمْيَاءَ وَبَيَّنُوا فَسَادَهَا وَبَيَّنُوا الْحِيَلَ الْكِيمَاوِيَّةَ. وَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْكِيمْيَاءِ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مِنْ عُلَمَاءِ الدِّينِ وَلَا مِنْ مَشَايِخِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ

    ج ٣٠ ص ٣٧٤بِإِحْسَانِ. وَأَقْدَمُ مَنْ رَأَيْنَا وَيَحْكِي عَنْهُ شَيْئًا فِي الْكِيمْيَاءِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يَقْتَدِي بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِي دِينِهِمْ وَلَا يَرْجِعُونَ إلَى رَأْيِهِ فَإِنْ ثَبَتَ النَّقْلُ عَنْهُ فَقَدْ دَلَّسَ عَلَيْهِ كَمَا دَلَّسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ حَيَّانَ صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ الْكِيمَاوِيَّةِ فَمَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ وَهَؤُلَاءِ لَا يَعُدُّونَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الذَّهَبَ الْمَصْنُوعَ كَالْمَعْدِنِيِّ - جَهْلًا وَضَلَالًا - كَمَا ظَنَّهُ غَيْرُهُمْ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ وَلَكِنَّهُ لُبِّسَ وَدُلِّسَ فَمَا أَكْثَرُ مَنْ يَتَحَلَّى بِصِنَاعَةِ الْكِيمْيَاءِ. لِمَا فِي النُّفُوسِ مِنْ مَحَبَّةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: لَوْ غَنَّى بِهَا مُغَنٍّ لَرَقَصَ الْكَوْنُ. وَعَامَّتُهُمْ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيُظْهِرُونَ لِلطَّمَّاعِ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ الْكِيمْيَاءَ حَتَّى يَأْكُلُوا مَالَهُ وَيُفْسِدُوا حَالَهُ وَحِكَايَاتُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ النَّاسِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى نَقْلٍ مُسْتَقِرٍّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِيمْيَاءِ يُعَاقَبُونَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ فَتَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ - حَيْثُ طَلَبُوا زِيَادَةَ الْمَالِ بِمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ - بِنَقْصِ الْأَمْوَالِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} . وَالْكِيمْيَاءُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ الرِّبَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ. مَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ وَمَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ وَمَنْ طَلَبَ غَرَائِبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ. وَيُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ

    ج ٣٠ ص ٣٧٢
  3. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ قَالَ لِي رَأْسٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمَّا نَهَيْته عَنْهَا وَبَيَّنْت لَهُ فَسَادَهَا وَتَحْرِيمَهَا - وَلَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ: أَخَذَ يَسْتَعْفِي عَنْ الْمُنَاظَرَةِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِالْجِدَالِ وَقَالَ فِيمَا قَالَ -: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِفُ الْكِيمْيَاءَ فَقُلْت لَهُ: كَذِبٌ؛ بَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِالْإِجْمَاعِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَضَّ فِيهَا النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ حَتَّى {جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ مَزْمُومَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَك بِهَا سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ مَزْمُومَةٍ} وَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِصَاعٍ فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ فِيهَا: كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا عَنْ صَاعِ هَذَا وَجَاءَ آخَرُ بِصُرَّةٍ كَادَتْ يَدُهُ تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهَا فَقَالُوا: هَذَا مِرَاءٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {وَجَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عفان بِأَلْفِ نَاقَةٍ فَأَعْوَزَتْ خَمْسِينَ فَكَمَّلَهَا بِخَمْسِينَ فَرَسٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ} وَصَارَتْ هَذِهِ مِنْ مَنَاقِبِهِ الْمَشْهُورَةِ فَيُقَالُ مُجَهِّزُ جَيْشِ الْعُسْرَةِ.

    ج ٣٠ ص ٣٧٥
  4. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} . وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ طَلَبُوا أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى النِّعَالِ. وَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِالنِّعَالِ النِّعَالُ الَّتِي تُلْبَسُ أَوْ الدَّوَابُّ الَّتِي تُرْكَبُ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: {لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} وَقَدْ كَانَ هُوَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْإِنْفَاقِ غَايَةَ الْحَضِّ. فَلَوْ كَانَتْ الْكِيمْيَاءُ حَقًّا مُبَاحًا وَهُوَ يَعْلَمُهَا لَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهَا مَا يُجَهِّزُ بِهِ الْجَيْشَ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَمَنْ نَسَبَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَهُ إلَى مَا نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ لَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْكِيمْيَاءِ حَقًّا؛ لَا خَمْسًا وَلَا زَكَاةً وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالرِّكَازُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ؛ هُوَ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَهِيَ الْكُنُوزُ الْمَدْفُونَةُ فِي الْأَرْضِ كَالْمَعَادِنِ. فَأَهْلُ الْحِجَازِ لَا يَجْعَلُونَهَا مِنْ الرِّكَازِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَهْلُ الْعِرَاقُ يَجْعَلُونَهَا مِنْ الرِّكَازِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ الْمَالُ جُمْلَةً وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجَدَ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُونَ فِي الْمَعْدِنِ حَقًّا؛ إمَّا الزَّكَاةُ وَإِمَّا الْخُمُسُ.

    ج ٣٠ ص ٣٧٦
  5. وَلَوْ كَانَتْ الْكِيمْيَاءُ حَقًّا حَلَالًا لَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا أَعْظَمَ مِنْ الْخُمُسِ وَأَعْظَمَ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا ذَهَبٌ عَظِيمٌ بِسَعْيٍ يَسِيرٍ أَيْسَرُ مِنْ اسْتِخْرَاجِ الْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ؛ لَكِنْ هِيَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الدِّينِ مِنْ الْغِشِّ الْبَاطِلِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَحِلُّ عَمَلُهُ وَلَا اتِّخَاذُهُ مَالًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجِبُوا فِيهَا مَا يَجِبُ فِي الْمَالِ الْحَلَالِ. وَقَالَ لِي الْمُخَاطَبُ فِيهَا: فَإِنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْمَلُ الْكِيمْيَاءَ. قُلْت لَهُ: هَذَا كَذِبٌ لَمْ يَنْقُلْ هَذَا عَنْ مُوسَى أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ بَلْ قَدْ ذَكَرُوا عَنْهُمْ أَنَّ مُوسَى كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ يَأْكُلُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ الْكِيمْيَاءَ لَكَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا. قَالَ: فَإِنَّ قَارُونَ كَانَ يَعْمَلُ الْكِيمْيَاءَ قُلْت: وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ مَعْرُوفٌ وَإِنَّمَا يَذْكُرُهُ مِثْلُ الثَّعْلَبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ عَمَّنْ لَا يُسَمِّي. وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ الْغَثُّ وَالسَّمِينُ فَإِنَّهُ حَاطِبُ لَيْلٍ وَلَوْ كَانَ مَالُ قَارُونَ مِنْ الْكِيمْيَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ عَمِلُوا الْكِيمْيَاءَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ( {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ آتَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ وَالْكُنُوزُ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ كَنْزُهَا كَمَا قَالَ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الْآيَةَ

    ج ٣٠ ص ٣٧٨وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اطَّلَعَ عَلَى كنائز مَدْفُونَةٍ وَهُوَ الرِّكَازُ وَهَذَا لَا رَيْبَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ. ثُمَّ إنَّهُ مَاتَ هَذَا الرَّجُلُ وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِعِ فَلَمْ يَشْهَدْ جِنَازَتَهُ مِنْ جِيرَانِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ وَكَانَ يُعَانِي السِّحْرَ وَالسِّيمَيَا وَكَانَ يَشْتَرِي كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ فَشَهِدْت بَيْعَ كُتُبِهِ لِذَلِكَ فَقَامَ الْمُنَادِي يُنَادِي عَلَى " كُتُبِ الصَّنْعَةِ " وَكَانَتْ كَثِيرَةً يَعْنِي كُتُبَ الْكِيمْيَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِيَ عِلْمُ الْحَجَرِ الْمُكَرَّمِ وَهِيَ عِلْمُ الْحِكْمَةِ وَيُعَرِّفُونَهَا بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعِبَارَاتِ وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ السَّيْفِ وَالدِّيوَانِ شُهُودًا فَقُلْت لِوَلِيِّ الْأَمْرِ لَا يَحِلُّ بَيْعُ هَذِهِ الْكُتُبِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَشْتَرُونَهَا فَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهَا فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ " زغلية " فَيَقْطَعُونَ أَيْدِيَهُمْ. وَإِذَا بِعْتُمْ هَذِهِ الْكُتُبَ تَكُونُونَ قَدْ مَكَّنْتُمُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرْت الْمُنَادِيَ فَأَلْقَاهَا بِبَرَكَةِ كانت هُنَاكَ فَأُلْقِيَتْ حَتَّى أَفْسَدَهَا الْمَاءُ وَلَمْ يَبْقَ يُعْرَفُ مَا فِيهَا. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْكِيمْيَاءَ لَمْ يَعْمَلْهَا رَجُلٌ لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ لَا عَالِمٌ مُتَّبِعٌ وَلَا شَيْخٌ يُقْتَدَى بِهِ وَلَا مَلِكٌ عَادِلٌ وَلَا وَزِيرٌ نَاصِحٌ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا شَيْخٌ ضَالٌّ مُبْطِلٌ مِثْلُ ابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِ أَوْ مِثْلُ بَنِي عُبَيْدٍ. أَوْ مَلِكٌ ظَالِمٌ أَوْ رَجُلٌ فَاجِرٌ. وَإِنْ الْتَبَسَ أَمْرُهَا عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَغَالِبُهُمْ يَنْكَشِفُ لَهُمْ أَمْرُهَا فِي الْآخَرِ وَلَا

    ج ٣٠ ص ٣٧٩يَسْتَطِيعُونَ عَمَلَهَا صِيَانَةً مِنْ اللَّهِ لَهُمْ لِحُسْنِ قَصْدِهِمْ وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَنْفَقَ مِنْهَا أَوْ أَكَلَ مِنْهَا. وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ يَعْمَلُونَ بِهَا. فَهَذَا لَا يَعْدُو مَا يَقُولُهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ مَنْ يَعْمَلُهَا أَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمَخْصُوصِينَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَرَامَةِ فَهَذَا جَهْلٌ؛ فَإِنَّ الْكِيمْيَاءَ يَعْمَلُهَا الْمُشْرِكُ وَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُبْتَدِعُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؛ بَلْ لَا يُعْرَفُ وَلِيٌّ ثَابِتُ الْوِلَايَةِ يَعْمَلُهَا وَمَنْ ذَكَرَهَا مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مِثْلُ صَاحِبِ " الْفُصُوصِ " وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ فَهَؤُلَاءِ فِي كَلَامِهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي كَلَامِهِمْ فِي الْكِيمْيَاءِ فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فِيهِ مِنْ الضَّلَالِ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ مَا لَمْ يَقُلْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَكَيْفَ يَكُونُ كَلَامُهُمْ فِي الْكِيمْيَاءِ؟ . ثُمَّ مَنْ اغْتَرَّ بِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " كِتَابِ السَّعَادَةِ " فِيهِ " وَفِي " كِتَابِ جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ " وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ: فَفِي هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ الْكَلَامِ الْمَرْدُودِ وَالْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَا لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ بِذَلِكَ. وَقَدْ رَدَّ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَأَشْبَاهِهَا مِنْ الضَّلَالِ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَطْعَنُ فِي نَقْلِ هَذِهِ الْكُتُبِ عَمَّنْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ وَيَقُولُ: إنَّهُ كَذِبٌ

    ج ٣٠ ص ٣٧٧
  6. عَلَيْهِ فِي نِسْبَةِ هَذِهِ الْكُتُبِ إلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ قَدْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ نَقِيضُ مَا يَقُولُهُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَمَاتَ عَلَى مُطَالَعَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. نَعَمْ خَرْقُ الْعَادَاتِ لِلْأَوْلِيَاءِ جَائِزٌ مِثْلُ أَنْ يَصِيرَ النَّبَاتُ ذَهَبًا. وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ طَرِيقُهُ طَرِيقَ الْكِيمْيَاءِ الْمَعْمُولَةِ بِالْمُعَالَجَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وَبَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الْفَرْقِ مَا بَيْنَ عَصَا مُوسَى وَعِصِيِّ السَّحَرَةِ فَإِنَّ تِلْكَ كَانَتْ حَيَّةً تَسْعَى وَتِلْكَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى. وَبِالْجُمْلَةِ: فَإِذَا كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ اعْتَقَدُوا أَنَّ عِلْمَ الْكِيمْيَاءِ حَقٌّ وَحَلَالٌ: فَهَذَا لَا يُفِيدُ شَيْئًا؛ فَإِنَّ قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ خَالَفَهُمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ وَأَجَلُّ عِنْدَ الْأُمَّةِ لَا يَحْتَجُّ بِهِ إلَّا أَحْمَقُ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ التَّقْلِيدُ حُجَّةً فَتَقْلِيدُ الْأَكْبَرِ الْأَعْلَمِ الأعبد أَوْلَى. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ يَنْفَعْهُ ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يُفِيدُ هَذَا شَيْئًا. وَيَكْفِيهِ أَنَّ خِيَارَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الْقُرُونِ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إذْ لَوْ كَانَتْ حَلَالًا لَدَخَلُوا فِيهَا كَمَا دَخَلُوا فِي سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْتَسِبُونَ الْأَمْوَالَ بِالْوُجُوهِ وَاكْتِسَابُ الْمَالِ مَعَ إنْفَاقِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَمَلٌ صَالِحٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. قَالُوا: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ:

    ج ٣٠ ص ٣٨١يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ: يُعِينُ صَانِعًا أَوْ يَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ: يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ} . وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ أَجْنَاسًا وَأَصْنَافًا وَأَنْوَاعًا تَشْتَرِكُ فِي شَيْءٍ وَيَمْتَازُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِشَيْءِ كَمَا أَنَّ الدَّوَابَّ تَشْتَرِكُ فِي أَنَّهَا تَحُسُّ وَتَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا لَازِمٌ لَهَا كُلِّهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ} . إذْ كُلُّ إنْسَانٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرْثٍ وَهُوَ كَسْبُهُ وَعَمَلُهُ. وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ هَمٍّ هُوَ مَبْدَأُ إرَادَتِهِ وَيَمْتَازُ بَعْضُ الدَّوَابِّ عَنْ بَعْضٍ بِمَا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. فَهَذِهِ الْخَوَاصُّ الْفَاصِلَةُ مُخْتَصَّةٌ كَمَا أَنَّ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرِكَةَ عَامَّةٌ وَهَذَا كَالنُّطْقِ لِلْإِنْسَانِ وَالصَّهِيلِ لِلْفَرَسِ وَالرُّغَاءِ لِلْبَعِيرِ وَالنَّهِيقِ لِلْحِمَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. كَذَلِكَ النَّبَاتَاتُ تَشْتَرِكُ مَعَ الدَّوَابِّ فِي أَنَّهَا تُنْمَى وَتُغَذَّى؛ وَلَكِنْ لَيْسَ لِلنَّبَاتِ حِسٌّ وَلَا إرَادَةٌ تَتَحَرَّكُ بِهَا وَالْمَعْدِنُ مُشَارِكٌ فِي بَعْضِ ذَلِكَ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَافَ - الَّتِي تُسَمَّى الْأَنْوَاعَ الَّتِي يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِهَذِهِ الْخَوَاصِّ الْفَاضِلَةِ - إذَا تَقَوَّمَتْ بِهَذِهِ الْفُضُولِ الْخَوَاصِّ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ أَنْوَاعٍ أُخَرَ وَلَا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْفَضْلَ وَيُلْبِسَهَا فَضْلًا آخَرَ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحِنْطَةَ شَعِيرًا وَلَا

    ج ٣٠ ص ٣٨٢الْفَرَسَ حِمَارًا وَلَا الْحِمَارَ ثَوْرًا. وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْفِضَّةَ ذَهَبًا وَلَا النُّحَاسَ فِضَّةً وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا غَايَتُهُ يُشْبِهُ وُجُودَهُ وَيُدَلِّسُ. وَمَنْ زَعَمَ مِنْ الْكِيمَاوِيَّةِ أَنَّ الْفِضَّةَ ذَهَبٌ لَمْ يَسْتَكْمِلْ نُضْجُهُ فَقَدْ كَذَبَ؛ بَلْ لِهَذَا مَعْدِنٌ وَلِهَذَا مَعْدِنٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ فَقَالَ: أَتْقَاهُمْ. فَقَالُوا: لَسْنَا نَسْأَلُك عَنْ هَذِهِ؛ فَقَالَ: يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ. ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ إسْحَاقَ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ. فَقَالُوا: لَسْنَا نَسْأَلُك عَنْ هَذَا. فَقَالَ: أَفَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} فَكَمَا أَنَّ قُرَيْشًا لَيْسَ أَصْلُهَا أَصْلَ تَمِيمٍ وَعَدْنَانُ لَيْسَ أَصْلُهَا أَصْلَ قَحْطَانَ وَالْعَرَبُ لَيْسَ أَصْلُهَا أَصْلَ الْعَجَمِ فَكَذَلِكَ لَيْسَ أَصْلُ الذَّهَبِ أَصْلَ الْفِضَّةِ وَلَا أَصْلُ الْفِضَّةِ أَصْلَ الذَّهَبِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ مَعْدِنَ الذَّهَبِ يَكُونُ فِيهِ فِضَّةٌ كَمَا يَكُونُ فِي مَعْدِنِ الْفِضَّةِ نُحَاسٌ فَكَذَلِكَ خَبَثُ الْمَعَادِنِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ لَا بُدَّ مِنْ تَصْفِيَتِهِ مِنْ خُبْثِهِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ مَعَادِنِ الْفِضَّةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ذَهَبٌ. وَلَوْ كَانَتْ الْفِضَّةُ إذَا أُكْمِلَ طَبْخُهَا صَارَتْ ذَهَبًا لَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَعَادِنِ الْفِضَّةِ ذَهَبٌ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ مِنْ طَبِيعَةِ ذَلِكَ الْمَعْدِنِ حَرَارَةُ طَبْخِهَا. فَيُقَالُ: هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُبْطِلُ قَوْلَ الْكِيمَاوِيَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ

    ج ٣٠ ص ٣٨٠
  7. الذَّهَبَ فِي مَعَادِنَ بِحَرَارَةِ وَرُطُوبَةٍ وَيَخْلُقُهَا فِي الْمَعْدِنِ كَمَا يَخْلُقُ الْأَجِنَّةَ فِي بُطُونِ الْأَرْحَامِ وَكَمَا يَخْلُقُ فِي الْحَرْثِ مِنْ الْأَشْجَارِ وَالزَّرْعِ بِحَرَارَةٍ يَخْلُقُهَا وَمَا يَخْلُقُ بِهِ مِنْ الْحَرَارَةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا فِي تِلْكَ الْأَجْسَامِ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ حَرَارَةُ النَّارِ الَّتِي نَصْنَعُهَا نَحْنُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَاسْتِقْرَاءُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ - أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا وَالْمَصْنُوعُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا وَأَنَّ الْأَنْوَاعَ الْمُفَضَّلَةَ بِخَوَاصِّهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَلَ مِنْهَا نَوْعٌ إلَى نَوْعٍ آخَرَ - يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ - وَسَوَّى بَيْنَ بِلَادِهِ - مِنْ إنْكَارِ ذَلِكَ وَعُقُوبَةُ فَاعِلِيهِ فِي الْجُمْلَةِ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ بَاطِنًا. ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الْكِيمْيَاءَ وَيَدَّعُونَ أَنَّهَا حَقٌّ حَلَالٌ لَوْ بِيعَ لِأَحَدِهِمْ ذَهَبٌ وَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنْ عَمَلِ الْكِيمْيَاءِ لَمْ يَشْتَرِهِ كَمَا يَشْتَرِي الْمَعْدِنِيَّ وَإِنْ صُنِعَ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِذَهَبِهِ الَّذِي يَعْلَمُهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ؛ بَلْ قَدْ جُبِلَتْ قُلُوبُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا نَسَبُوهُ إلَى الْغِشِّ وَالزَّغَلِ وَالتَّمْوِيهِ وَالنَّاسُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ فُضَلَاءَ أَهْلِ " الْكِيمْيَاءِ " يَضُمُّونَ إلَيْهَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ السِّيمَيَا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ ابْنُ سَبْعِينَ وَالسُّهْرَوَرْدِي الْمَقْتُولُ وَالْحَلَّاجُ

    ج ٣٠ ص ٣٨٣