الرسل جميعا أنذروا بالقيامة الكبرى
٣ فقرات، ج ٥ ص ٢٦٦
- ج ٥ ص ٢٦٦
مَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا قَالَ {النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ} وَإِلَّا فَنَفْسُ الْمَوْتِ - مُجَرَّدٌ عَمَّا بَعْده - أَمْرٌ مَشْهُورٌ لَمْ يُنَازِعْ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى يُسَمَّى يَقِينًا. وَذَكَرَ عَذَابَ الْقِيَامَةِ وَالْبَرْزَخِ مَعًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ذَكَرَهُ فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَالَ: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} وَقَالَ فِي قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} مَعَ إخْبَارِ نُوحٍ لَهُمْ بِالْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إخْرَاجًا} .
-
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: أَنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَنْذَرُوا بِالْقِيَامَةِ الْكُبْرَى تَكْذِيبًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَقَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: الْمَرَّةُ الْأُولَى فِي الدُّنْيَا وَالثَّانِيَةُ فِي الْبَرْزَخِ؛ {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ: {وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} وَهَذِهِ صِفَةُ حَالِ الْمَوْتِ وَقَوْلُهُ:
ج ٥ ص ٢٦٧{أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} دَلَّ عَلَى وُجُودِ النَّفْسِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ وَقَوْلُهُ: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} دَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْجَزَاءِ عَقِبَ الْمَوْتِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ: {وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وَهَذَا ذَوْقٌ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَتَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْقَلِيبِ نَادَاهُمْ: يَا فُلَانُ يَا فُلَانُ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا} . وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِمْ وَسَمَاعِهِمْ وَأَنَّهُمْ وَجَدُوا مَا وَعَدُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الْعَذَابِ وَأَمَّا نَفْسُ قَتْلِهِمْ فَقَدْ عَلِمَهُ الْأَحْيَاءُ مِنْهُمْ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} وَهَذَا خِطَابٌ لَهُمْ إذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ؛ وَهُمْ لَا يُعَايِنُونَ الْمَلَائِكَةَ إلَّا وَقَدْ يَئِسُوا مِنْ الدُّنْيَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَدَنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ لِسَانُهُ؛ بَلْ هُوَ شَاهِدٌ: يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يُخَاطِبُ الْمَلَائِكَةَ هُوَ النَّفْسُ وَالْمُخَاطَبُ لَا يَكُونُ عَرَضًا. وَقَالَ تَعَالَى فِي النَّحْلِ: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ
ج ٥ ص ٢٦٨مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} وَهَذَا إلْقَاءٌ لِلسَّلَمِ إلَى حِينِ الْمَوْتِ وَقَوْلُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ مِنْ النَّفْسِ. وَقَدْ قَالَ فِي النَّحْلِ: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وَقَالَ فِي السَّجْدَةِ: {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا التَّنَزُّلَ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} . وَأَيْضًا فَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} وَهَذَا
- ج ٥ ص ٢٦٩
بَيَانٌ لِكَوْنِ النَّفْسِ تُقْبَضُ وَقْتَ الْمَوْتِ؛ ثُمَّ مِنْهَا مَا يُمْسِكُ فَلَا يُرْسِلُ إلَى بَدَنَهُ: وَهُوَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَمِنْهَا مَا يُرْسِلُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَا فِي عَرَضٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ فَهُوَ بَيَانٌ لِوُجُودِ النَّفْسِ الْمُفَارَقَةِ بِالْمَوْتِ. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُوَافِقُ هَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {بِاسْمِك رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي وَبِك أَرْفَعُهُ فَإِنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَك الصَّالِحِينَ} . وَقَالَ - لَمَّا نَامُوا عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ -: {إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا حَيْثُ شَاءَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} {ثُمَّ رُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} فَهَذَا تَوَفٍّ لَهَا بِالنَّوْمِ إلَى أَجَلِ الْمَوْتِ الَّذِي تُرْجَعُ فِيهِ إلَى اللَّهِ وَإِخْبَارُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَوَفَّاهَا بِالْمَوْتِ ثُمَّ يردون إلَى اللَّهِ وَالْبَدَنِ وَمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْأَعْرَاضِ لَا يُرَدُّ إنَّمَا يُرَدُّ الرُّوحُ. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي يُونُسَ: {وَرُدُّوا إلَى اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ إلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} {ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ
ج ٥ ص ٢٧٠رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} {وَادْخُلِي جَنَّتِي} وَقَالَ تَعَالَى. {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} وَتَوَفِّي الْمَلَكِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ؛ وَإِلَّا فَالْعَرَضُ الْقَائِمُ بِغَيْرِهِ لَا يَتَوَفَّى فَالْحَيَاةُ الْقَائِمَةُ بِالْبَدَنِ لَا تَتَوَفَّى بَلْ تَزُولُ وَتُعْدَمُ كَمَا تُعْدَمُ حَرَكَتُهُ وَإِدْرَاكُهُ. وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُؤْمِنِينَ {حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فَقَوْلُهُ: {ارْجِعُونِ} طَلَبٌ لِرَجْعِ النَّفْسِ إلَى الْبَدَنِ كَمَا قَالَ فِي الْوَاقِعَةِ: {فَلَوْلَا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} {تَرْجِعُونَهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ النَّفْسَ مَوْجُودَةٌ تُفَارِقُ الْبَدَنَ بِالْمَوْتِ قَالَ تَعَالَى: {إنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . آخِرَهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.