إذا حلف على ما يعتقد فتبين خلافه
فقرتان، ج ٣٤ ص ٢١٠
- ج ٣٤ ص ٢١٠
فَطَلَّقَهَا ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ: لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْنَثُ الْجَاهِلُ الْمُتَأَوِّلُ وَكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ لَهُ: زِلْهَا بِطَلْقَةِ. فَأَزَالَهَا بِطَلْقَةِ ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ: لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ طَلْقَةً ثَانِيَةً وَإِنْ كَانَتْ الطَّلْقَةُ الْأَوْلَى رَجْعِيَّةً؛ لَكِنْ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ وَالْجَهْلِ لَا يَحْنَثُ وَتَبْقَى الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَيْسَ فِيهِ نِزَاعٌ إلَّا وَجْهٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
-
" الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ " إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ. فَهَذَا أَوْلَى بِعَدَمِ التَّحْنِيثِ مِنْ مَسْأَلَةِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا؛ وَلِهَذَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَصُورَةِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فَقَالُوا هُنَا لَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُنَاكَ يَحْنَثُ. قَالُوا: لِأَنَّهُ هنا كانت الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى مَاضٍ إنْ كَانَ عَالِمًا فَهُوَ: إمَّا صَادِقٌ بَارٌّ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَتَكُونُ يَمِينُهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا مُعْتَقِدًا أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ: فَهَذَا لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ عَلَى فَاعِلِهِ إثْمُ الْكَذَّابِ. وَهَذَا هُوَ لَغْوُ الْيَمِينِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ النِّسْيَانُ كَمَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَسِيَ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: بَلَى قَدْ نَسِيت. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ} وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ خَمْسًا فَقَالُوا لَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ: أَزِيدُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا صَلَّيْت خَمْسًا. قَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيَتْ فَذَكِّرُونِي} .
ج ٣٤ ص ٢١١قَالُوا:
وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَاقِعٌ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْعَقْدِ فَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ. وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَقَالُوا أَيْضًا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ كَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَد فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَحْنَثُ الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ الْمُخْطِئُ حِينَ عَقَدَ الْيَمِينَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا: إنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَحْنَثُ فِي الْمَاضِي؛ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ سَلَكَهَا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: كَأَبِي الْبَرَكَاتِ فِي " مُحَرَّرِهِ " . وَأَصْحَابُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَقُولُونَ: إنَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ: فَيَلْزَمُهُ أَلَّا يَحْنَثَ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا. وَيُضَعِّفُونَ قَوْلَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَرْقِ وَقِيلَ: بَلْ لَا يَحْنَثُ فِي الْمَاضِي قَوْلًا وَاحِدًا وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ قَوْلَانِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد سَلَكُوا مَسْلَكَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: فَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَقَالُوا: إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَفِيهِ