خلافة معاوية وعلي

فقرتان، ج ٣٦ ص ٢٦

  1. وَثَلَاثِينَ} قَالَ: قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ: يَرْوِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَمْرُهُ خَمْسَ سِنِينَ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فَكَانَ هَذَا عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً " : قَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: قُلْت لِأَحْمَدَ: مَنْ قَالَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ {تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَام لِخَمْسِ وَثَلَاثِينَ} إنَّهَا مِنْ مُهَاجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَقَدْ أَخْبَرَ هَذَا وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِفُ الْإِسْلَامَ بِسَيْرِ هُوَ بِالْجِنَايَةِ إنَّمَا يَصِفُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ السِّنِينَ. قَالَ: وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَد أَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ؛ وَأَنَّ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ وَالثَّلَاثِينَ وَذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَحْمَد عَنْ الْخِلَافَةِ فَقَالَ: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ لَنَا. قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ مَا كَانَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ خِلَافَةَ نُبُوَّةٍ. قُلْت: نُصُوصُ أَحْمَد عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ تَمَّتْ بِعَلِيِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا. ثُمَّ عَارَضَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا} قَالَ السَّائِلَ: فَلَمَّا خَصَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ بِثَلَاثِينَ سَنَةً: كَانَ آخِرُهَا آخِرَ أَيَّامِ عَلِيٍّ وَأَنَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُلْكًا: دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِخِلَافَةِ فَأَجَابَ الْقَاضِي: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ " الْخِلَافَةُ " الَّتِي لَا يَشُوبُهَا مُلْكٌ بَعْدَهُ " ثَلَاثُونَ

    ج ٣٦ ص ٢٧سَنَةً " وَهَكَذَا كَانَتْ خِلَافَةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَمُعَاوِيَةُ: قَدْ شَابَهَا الْمُلْكَ؛ وَلَيْسَ هَذَا قَادِحًا فِي خِلَافَتِهِ؛ كَمَا أَنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ لَمْ يَقْدَحْ فِي نُبُوَّتِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقِيرًا. قُلْت: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ شَوْبَ الْخِلَافَةِ بِالْمُلْكِ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ الْخِلَافَةُ الْمَحْضَةُ أَفْضَلَ. وَكُلُّ مَنْ انْتَصَرَ لمعاوية وَجَعَلَهُ مُجْتَهِدًا فِي أُمُورِهِ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إلَى مَعْصِيَةٍ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إمَّا جَوَازُ شَوْبِهَا بِالْمُلْكِ أَوْ عَدَمُ اللَّوْمِ عَلَى ذَلِكَ فَيُتَّجَهُ إذَا (١) قَالَ إنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةٌ؛ فَلَوْ قُدِّرَ فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَكَبِيرَةٌ وَإِنْ كَانَ دِينًا؛ أَوْ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مَنْ غَلَبَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتِهِ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا رَحْمَتُهُ بِالْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ؛ إذْ هُمْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ كَالْمُعْتَزِلَةِ: فَيُفَسِّقُونَ مُعَاوِيَةَ لِحَرْبِ عَلِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً وَهِيَ تُوجِبُ التَّفْسِيقَ فَلَا بُدَّ مِنْ مَنْعِ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ. ثُمَّ إذَا سَاغَ هَذَا لِلْمُلُوكِ: سَاغَ لِلْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةً وَهِيَ مَقْدُورَةٌ؛ وَقَدْ تُرِكَتْ: فَتَرْكُ الْوَاجِبِ سَبَبٌ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ. ثُمَّ هَلْ تَرْكُهَا كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ؟

    ج ٣٦ ص ٢٦
  2. إنْ كَانَ صَغِيرَةً لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً فَفِيهِ الْقَوْلَانِ. لَكِنْ يُقَالُ هُنَا: إذَا كَانَ الْقَائِمُ بِالْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ يَفْعَلُ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَيَتْرُكُ مِنْ السَّيِّئَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مَا يَزِيدُ بِهِ ثَوَابُهُ عَلَى عُقُوبَةِ مَا يَتْرُكُهُ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ يَفْعَلُهُ مِنْ مَحْظُورٍ: فَهَذَا قَدْ تَرَجَّحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ؛ فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ مُقَصِّرًا فِي هَذِهِ الطَّاعَةِ الَّتِي فَعَلَهَا مَعَ سَلَامَتِهِ عَنْ سَيِّئَاتِهِ؛ فَلَهُ " ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ " إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ مِنْ حَسَنَاتِ الْأَمِيرِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْمُوعِ حَسَنَاتِ هَذَا أَوْ أَقَلَّ. فَإِنْ كَانَتْ فَاضِلَةً أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ كَانَ مَفْضُولًا وَإِنْ تَسَاوِيًا تَكَافَآ. هَذَا مُوجَبُ الْعَدْلِ؛ وَمُقْتَضَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمُوَازَنَةَ وَالْمُقَابَلَةَ فِي الْجَزَاءِ؛ وَفِي الْعَدَالَةِ أَيْضًا. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ بِالْكَبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ؛ وَلَوْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ: فَلَا يَجِيءُ هَذَا وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَدَالَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ. وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هُنَا " مَسْأَلَةٌ " وَهُوَ مَا إذَا كَانَ لَا يَتَأَتَّى لَهُ فِعْلُ الْحَسَنَةِ الرَّاجِحَةِ إلَّا بِسَيِّئَةٍ دُونَهَا فِي الْعِقَابِ: فَلَهَا صُورَتَانِ:

    ج ٣٦ ص ٢٨