علم النجوم نوعان: حساب ــ أحكام

فقرة واحدة، ج ٣٦ ص ١٨١

  1. آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} " فَإِذَا كُنَّا مَأْمُورِينَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ لَا نُصَدِّقَ إلَّا بِمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ كَمَا لَا نُكَذِّبَ إلَّا بِمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ: فَكَيْفَ يَجُوزُ تَصْدِيقُ هَؤُلَاءِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنْ عِلْمِهِمْ الْمُصَدَّقِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُقَالُ " رَابِعًا ": لَا رَيْبَ أَنَّ النُّجُومَ " نَوْعَانِ ": حِسَابٌ وَأَحْكَامٌ. فَأَمَّا الْحِسَابُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ أَقْدَارِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ. وَصِفَاتِهَا وَمَقَادِيرِ حَرَكَاتِهَا وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَهَذَا فِي الْأَصْلِ عِلْمٌ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ كَمَعْرِفَةِ الْأَرْضِ وَصِفَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ جُمْهُورَ التَّدْقِيقِ مِنْهُ كَثِيرُ التَّعَبِ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ؛ كَالْعَالِمِ مَثَلًا بِمَقَادِيرِ الدَّقَائِقِ وَالثَّوَانِي وَالثَّوَالِثِ فِي حَرَكَاتِ السَّبْعَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ {بِالْخُنَّسِ} {الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} . فَإِنْ كَانَ أَصْلُ هَذَا مَأْخُوذًا عَنْ إدْرِيسَ فَهَذَا مُمْكِنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُ نَاسٌ إنَّ أَصْلَ الطِّبِّ مَأْخُوذٌ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ سَاحِرًا وَهُمْ يَذْكُرُونَ أَنْوَاعًا مِنْ السِّحْرِ وَيَقُولُونَ: هَذَا يَصْلُحُ لِعَمَلِ النَّوَامِيسِ. أَيْ " الشَّرَائِعِ وَالسُّنَنِ " وَمِنْهَا مَا هُوَ دِعَايَةُ الْكَوَاكِبِ وَعِبَادَةٌ لَهَا وَأَنْوَاعٌ مِنْ الشِّرْكِ الَّذِي يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَأْمُرُ بِذَلِكَ

    ج ٣٦ ص ١٨٢وَلَا عَلَّمَهُ وَإِضَافَةُ ذَلِكَ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كَإِضَافَةِ مَنْ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالطَّيْرَ؛ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَنْوَاعِ مِنْ السِّحْرِ حَتَّى إنَّ طَوَائِفَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَجْعَلُونَهُ نَبِيًّا حَكِيمًا فَنَزَّهَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} الْآيَةُ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْحَوَادِثِ بِمَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ الْعُلْوِيَّةِ وَالِاخْتِيَارَاتِ لِلْأَعْمَالِ: هَذَا كُلُّهُ يُعْلِمُ قَطْعًا أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُؤْمَرْ قَطُّ بِهَذَا؛ إذْ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْعُقَلَاءُ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ بِكَثِيرِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا قَالَ إمَامُ هَؤُلَاءِ وَمُعَلِّمُهُمْ الثَّانِي " أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ " قَالَ مَا مَضْمُونُهُ: إنَّك لَوْ قَلَبْت أَوْضَاعَ الْمُنَجِّمِينَ؛ فَجَعَلْت مَكَانَ السَّعْدِ نَحْسًا وَمَكَانَ النَّحْسِ سَعْدًا أَوْ مَكَانَ الْحَارِّ بَارِدًا أَوْ مَكَانَ الْبَارِدِ حَارًّا أَوْ مَكَانَ الْمُذَكَّرِ مُؤَنَّثًا أَوْ مَكَانَ الْمُؤَنَّثِ مُذَكَّرًا وَحَكَمْت: لَكَانَ حُكْمُك مِنْ جِنْسِ أَحْكَامِهِمْ يُصِيبُ تَارَةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى. وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَهُمْ يُنَزِّهُونَ عَنْهُ بقراط وَأَفْلَاطُونَ وَأَرِسْطُو وَأَصْحَابَهُ الْفَلَاسِفَةَ الْمَشَّائِينَ الَّذِينَ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْبَاطِلِ وَالضَّلَالِ نَظِيرُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِذَا كَانُوا يُنَزِّهُونَ عَنْهُ هَؤُلَاءِ الصَّابِئِينَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ الَّذِينَ أَقَلُّ نِسْبَةً وَأَبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ

    ج ٣٦ ص ١٨٣وَنَحْنُ نَعْلَمُ مِنْ أَحْوَالِ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُ قَدْ أُضِيفَ إلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ - وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِيِّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَعْلَمُ كُلُّ عَالِمٍ بِحَالِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ حَتَّى نُسِبَ إلَيْهِ أَحْكَامُ " الْحَرَكَاتِ السُّفْلِيَّةِ " كَاخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ وَحَوَادِثِ الْجَوِّ مِنْ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالْهَالَةِ وَقَوْسِ اللَّهِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: " قَوْسُ قُزَحٍ " وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَالْعُلَمَاءُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَكَذَلِكَ نُسِبَ إلَيْهِ " الْجَدْوَلُ " الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الضَّلَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الرَّافِضَةِ وَهُوَ كَذِبٌ مُفْتَعَلٌ عَلَيْهِ افْتَعَلَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَحَدُ الْمَشْهُورِينَ بِالْكَذِبِ؛ مَعَ رِيَاسَتِهِ وَعَظَمَتِهِ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ. وَكَذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِ كِتَابُ " الْجَفْرُ وَالْبِطَاقَةُ والهفت " وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى أُضِيفَ إلَيْهِ " رَسَائِلُ إخْوَانِ الصَّفَا " وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الرَّسَائِلَ إنَّمَا وُضِعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ؛ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَهَذِهِ الرَّسَائِلُ وُضِعَتْ فِي دَوْلَةِ بَنِي بويه فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ فِي أَوَائِلِ دَوْلَةِ بَنِي عُبَيْدٍ الَّذِينَ بَنَوْا الْقَاهِرَةَ وَضَعَهَا جَمَاعَةٌ؛ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ جَمَعُوا بِهَا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْفَلْسَفَةِ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. وَأَصْحَابُ " جَعْفَرٍ الصَّادِقِ " الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ الْعِلْمَ؛ كَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بَرَاءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَكَاذِيبِ.

    ج ٣٦ ص ١٨١