إجازة الرسول صلى الله عليه وسلم السؤال على الله بالأين

فقرة واحدة، ج ٦ ص ٣١٩

  1. فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ قِيلَ: فَأَخْبِرُونَا عَنْ مَعْبُودِكُمْ مُمَاسٌّ هُوَ أَوْ مُبَايِنٌ؟ فَإِذَا قَالُوا: لَا يُوصَفُ بِهِمَا قِيلَ لَهُمْ: فَصِفَةُ إثْبَاتِ الْخَالِقِ كَصِفَةِ عَدَمِ الْمَخْلُوقِ فَلِمَ لَا يَقُولُونَ عَدَمٌ كَمَا يَقُولُونَ لِلْإِنْسَانِ عَدَمٌ؛ إذَا وَصَفْتُمُوهُ بِصِفَةِ الْعَدَمِ؟ . وَقِيلَ لَهُمْ: إذَا كَانَ عَدَمُ الْمَخْلُوقِ وُجُودًا لَهُ كَانَ جَهْلُ الْمَخْلُوقِ عِلْمًا لَهُ؛ لِأَنَّكُمْ وَصَفْتُمْ الْعَدَمَ الَّذِي هُوَ لِلْمَخْلُوقِ وُجُودًا لَهُ وَإِذَا كَانَ الْعَدَمُ وُجُودًا كَانَ الْجَهْلُ عِلْمًا وَالْعَجْزُ قُدْرَةً. وَقَالَ ابْنُ كُلَّابٍ أَيْضًا: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ وَأَعْلَمُهُمْ جَمِيعًا يُجِيزُ " الْأَيْنَ " وَيَقُولُهُ وَيَسْتَصْوِبُ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّهُ فِي السَّمَاءِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ وَجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابُهُ لَا يُجِيزُونَ " الْأَيْنَ " وَيُحَرِّمُونَ الْقَوْلَ بِهِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ خَطَأً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقَّ بِالْإِنْكَارِ لَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهَا: لَا تَقُولِي ذَلِكَ فَتَوَهَّمِي أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَحْدُودٌ وَأَنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. وَلَكِنْ قُولِي إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ دُونَ مَا قُلْت. كَلَّا فَلَقَدْ أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا فِيهِ وَأَنَّهُ أَصْوَبُ الْإِيمَانِ بَلْ الْأَمْرُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْإِيمَانُ لِقَائِلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ شَهِدَ لَهَا بِالْإِيمَانِ حِينَ قَالَتْهُ وَكَيْفَ يَكُونُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَالْكِتَابُ نَاطِقٌ بِهِ وَشَاهِدٌ لَهُ؟ قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّةِ مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذَا الْفَنِّ خَاصَّةً إلَّا مَا ذَكَرْنَا

    ج ٦ ص ٣٢٠مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَكَانَ فِيهِ مَا يَكْفِي وَقَدْ غَرَسَ فِي تَبَيُّنِهِ فِي الْفِطْرَةِ وَمَعَارِفِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا شَيْءَ أَبْيَنُ مِنْهُ وَلَا أَوْكَدُ؛ لِأَنَّك لَا تَسْأَلُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ عَنْهُ عَرَبِيًّا وَلَا عَجَمِيًّا وَلَا مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا فَتَقُولُ: أَيْنَ رَبُّك؟ إلَّا قَالَ فِي السَّمَاءِ. إنْ أَفْصَحَ أَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَوْ أَشَارَ بِطَرْفِهِ - إنْ كَانَ لَا يُفْصِحُ؛ وَلَا يُشِيرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَهْلٍ وَلَا جَبَلٍ. وَلَا رَأَيْنَا أَحَدًا إذَا دَعَاهُ إلَّا رَافِعًا يَدَهُ إلَى السَّمَاءِ وَلَا وَجَدْنَا أَحَدًا غَيْرَ الْجَهْمِيَّة يُسْأَلُ عَنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَقُولُونَ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَتَاهَتْ الْعُقُولُ وَسَقَطَتْ الْأَخْبَارُ وَاهْتَدَى جَهْمٌ وَرَجُلَانِ مَعَهُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ كَلَامُ ابْنِ كُلَّابٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَعَنْهُ أَخَذَ الْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ فِي كِتَابِ " فَهْمِ الْقُرْآنِ " هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَإِنَّ كَلَامَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

    ج ٦ ص ٣١٩