قول أبي طالب المكي في العلو وغيره وما أصاب فيه وما أخطأ
٤ فقرات، ج ٦ ص ٤٨٣
- ج ٦ ص ٤٨٣
كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَنْ تَوَهَّمَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَصْغُرَ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ مَخْلُوقُهُ الصَّغِيرُ وَجَعَلَ هَذَا مِنْ بَابِ الْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ؛ فَقَوْلُهُ: إنَّهُ يَنْزِلُ مَعَ بَقَاءِ عَظَمَتِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى الْعَرْشِ؛ أَبْلَغُ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
-
وَهَذَا كَمَا قَدْ يَقُولُهُ طَائِفَةٌ " مِنْهُمْ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ " قَالَ: إنْ شَاءَ وَسِعَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسَعْهُ شَيْءٌ وَإِنْ أَرَادَ عَرَفَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ لَمْ يَعْرِفْهُ شَيْءٌ؛ إنْ أَحَبَّ وُجِدَ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يُحِبَّ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ شَيْءٍ وَقَدْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَالْمِعْيَارَ وَسَبَقَ الْقِيلَ وَالْأَقْدَارَ ذُو صِفَاتٍ لَا تُحْصَى؛ وَقَدْرٍ لَا يَتَنَاهَى؛ لَيْسَ مَحْبُوسًا فِي صُورَةٍ وَلَا مَوْقُوفًا بِصِفَةِ وَلَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِكَلِمِ وَلَا يَتَجَلَّى بِوَصْفِ مَرَّتَيْنِ وَلَا يَظْهَرُ فِي صُورَةٍ لِاثْنَيْنِ؛ وَلَا يَرِدُ مِنْهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ كَلِمَتَانِ؛ بَلْ لِكُلِّ تَجَلٍّ مِنْهُ صُورَةٌ وَلِكُلِّ عَبْدٍ عِنْدَ ظُهُورِهِ صِفَةٌ وَعَنْ كُلِّ نَظْرَةٍ كَلَامٌ؛ وَبِكُلِّ كَلِمَةٍ إفْهَامٌ وَلَا نِهَايَةَ لِتَجَلِّيهِ؛ وَلَا غَايَةَ لِأَوْصَافِهِ. قُلْت: أَبُو طَالِبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ " السالمية " أَتْبَاعُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ صَاحِبِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري - لَهُمْ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي عَامَّةِ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مَا هُمْ مَعْرُوفُونَ بِهِ وَهُمْ مُنْتَسِبُونَ إلَى إمَامَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِي السُّنَّةِ: الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري وَمِنْهُمْ مَنْ تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَس كَبَيْتِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
- ج ٦ ص ٤٨٤
فَاَلَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ أَوْ يُعَظِّمُونَهُمْ وَيَقْصِدُونَ مُتَابَعَتَهُمْ أَئِمَّةُ هُدًى رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَلَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا وَقَعَ فِي كَلَامِهَا نَوْعُ غَلَطٍ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِنْ شُبَهِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ؛ مَنْ يَذْكُرُ فِي الْأَصْلِ الْعَظِيمِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ وَيَحْكِي مِنْ مَقَالَاتِ النَّاسِ أَلْوَانًا وَالْقَوْلُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ لَا يَذْكُرُهُ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ لَا لِكَرَاهَتِهِ لِمَا عَلَيْهِ الرَّسُولُ. وَهَؤُلَاءِ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ أَشْيَاءُ أَنْكَرُوا بَعْضَ مَا وَقَعَ مِنْ كَلَامِ أَبِي طَالِب فِي الصِّفَاتِ - مِنْ نَحْوِ الْحُلُولِ وَغَيْرِهِ - أَنْكَرَهَا عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَنَسَبُوهُمْ إلَى الْحُلُولِ مِنْ أَجْلِهَا؛ وَلِهَذَا تَكَلَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِر فِي أَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ لَمَّا صَنَّفَ هَذَا مَثَالِبَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَهَذَا مَنَاقِبَهُ وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ مِنْ السالمية فَنَسَبَهُمْ طَائِفَةٌ إلَى الْحُلُولِ. وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى لَهُ كِتَابٌ صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى السالمية. وَهُمْ فِيمَا يُنَازِعُهُمْ الْمُنَازِعُونَ فِيهِ - كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ وَكَأَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يُنَازِعُهُمْ - مِنْ جِنْسِ تَنَازُعِ النَّاسِ تَارَةً يُرَدُّ عَلَيْهِمْ حَقٌّ وَبَاطِلٌ؛ وَتَارَةً يُرَدُّ عَلَيْهِمْ حَقٌّ مِنْ حَقِّهِمْ وَتَارَةً يُرَدُّ بَاطِلٌ بِبَاطِلِ وَتَارَةً يُرَدُّ بَاطِلٌ بِحَقِّ.
- ج ٦ ص ٤٨٥
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْكَرُوا بَعْضَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ فِي الصِّفَاتِ. وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْحُلُولِ سَرَى بَعْضُهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ كَأَبِي الْحَكَمِ بْنِ برجان وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا أَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُلُولِ الْعَامِّ لَكِنْ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُلُولِ الْخَاصِّ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْعَارِفِ الْوَاصِلِ إلَى مَا سَمَّاهُ هُوَ: " مَقَامُ التَّوْحِيدِ " وَقَدْ بَاحَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَبُحْ بِهِ أَبُو طَالِبٍ لَكِنْ كَنَّى عَنْهُ. وَأَمَّا " الْحُلُولُ الْعَامُّ " فَفِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْهُ؛ مَعَ تَبِرِّيهِ مِنْ لَفْظِ الْحُلُولِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا حَسَنًا فِي التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ: عَالِمٌ لَا يُجْهَلُ قَادِرٌ لَا يَعْجِزُ، حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَيُّومٌ لَا يَغْفُلُ حَلِيمٌ لَا يَسْفَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مَلِكٌ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ قَدِيمٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ آخِرٌ بِغَيْرِ حَدٍّ كَائِنٌ لَمْ يَزَلْ إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّهُ أَمَامَ كُلِّ شَيْءٍ وَوَرَاءَ كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَيَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ وَأَقْرَبُ إلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَحَلٍّ لِلْأَشْيَاءِ وَإِنَّ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لَهُ وَإِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَيْفَ شَاءَ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَإِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ