فصل: فيمن قال: كلما قام دليل العقل على التجسيم كان ذلك من المتشابه ... إلخ

فقرة واحدة، ج ٧ ص ٤٤

  1. إذَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: كُلُّ مَا قَامَ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ كَانَ مُتَشَابِهًا جَوَابٌ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ النِّزَاعُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَالزَّائِغِ وَالْقَوِيمِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا مِنْ نَافٍ يَنْفِي شَيْئًا مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ إلَّا وَهُوَ يَزْعُمُ: أَنَّهُ قَدْ قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ فَيَكُونُ مُتَشَابِهًا فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُتَشَابِهَاتٍ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ وَأَنْ لَا يُفْهَمَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَاتِهِ مَعْنًى وَلَا يُمَيَّزَ بَيْنَ مَعْنَى الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالرَّحِيمِ وَالْجَبَّارِ وَالسَّلَامِ وَلَا بَيْنَ مَعْنَى الْخَلْقِ وَالِاسْتِوَاءِ وَبَيْنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَلَا بَيْنَ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ. بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ يَقُولُونَ؛ إذَا قُلْتُمْ؛ إنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا وَقُدْرَةً وَإِرَادَةً فَقَدْ قُلْتُمْ بِالتَّجْسِيمِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَعَانِيَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا: لَا تَقُومُ إلَّا بِغَيْرِهَا سَوَاءٌ سُمِّيَتْ صِفَاتًا أَوْ أَعْرَاضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

    ج ٧ ص ٤٥قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نَعْقِلُ قِيَامَ الْمَعْنَى إلَّا بِجِسْمِ فَإِثْبَاتُ مَعْنًى يَقُومُ بِغَيْرِ جِسْمٍ غَيْرُ مَعْقُولٍ. فَإِنْ قَالَ الْمُثْبِتُ: بَلْ هَذِهِ الْمَعَانِي يُمْكِنُ قِيَامُهَا بِغَيْرِ جِسْمٍ كَمَا أَمْكَنَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ إثْبَاتُ عَالِمٍ قَادِرٍ لَيْسَ بِجِسْمِ. قَالَتْ الْمُثْبِتَةُ: الرِّضَا وَالْغَضَبُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالْمَجِيءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَأَثْبِتُوا هَذِهِ الصِّفَاتِ أَيْضًا وَقُولُوا: إنَّهَا تَقُومُ بِغَيْرِ جِسْمٍ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يُعْقَلُ رِضًا وَغَضَبٌ؛ إلَّا مَا يَقُومُ بِقَلْبِ هُوَ جِسْمٌ وَلَا نَعْقِلُ وَجْهًا وَيَدًا إلَّا مَا هُوَ بَعْضٌ مِنْ جِسْمٍ. قِيلَ لَهُمْ: وَلَا نَعْقِلُ عِلْمًا إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ وَلَا قُدْرَةً إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ وَلَا نَعْقِلُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَكَلَامًا إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ. فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ؟ وَقُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ يُمْكِنُ قِيَامُهَا بِغَيْرِ جِسْمٍ وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُ قِيَامُهَا إلَّا بِجِسْمِ وَهُمَا فِي الْمَعْقُولِ سَوَاءٌ. فَإِنْ قَالُوا: الْغَضَبُ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ: وَالْوَجْهُ هُوَ ذُو الْأَنْفِ وَالشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْخَدِّ؛ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ غَضَبَ الْعَبْدِ وَوَجْهَ الْعَبْدِ فَوِزَانُهُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ: وَلَا يُعْقَلُ بَصَرٌ إلَّا مَا كَانَ بِشَحْمَةٍ. وَلَا سَمْعٌ إلَّا مَا كَانَ بِصِمَاخِ وَلَا كَلَامٌ إلَّا مَا كَانَ بِشَفَتَيْنِ وَلِسَانٍ؛ وَلَا إرَادَةٌ إلَّا مَا كَانَ لِاجْتِلَابِ مَنْفَعَةٍ أَوْ اسْتِدْفَاعِ مَضَرَّةٍ؛ وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلرَّبِّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ وَالْإِرَادَةَ عَلَى خِلَافِ صِفَاتِ الْعَبْدِ؛ فَإِنْ كَانَ مَا تُثْبِتُونَهُ مُمَاثِلًا لِصِفَاتِ الْعَبْدِ لَزِمَكُمْ التَّمْثِيلُ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ كُنْتُمْ تُثْبِتُونَهُ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُمَاثَلَةٍ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ فَأَثْبِتُوا الْجَمِيعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَحْدُودِ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ؛ فَإِنَّ مَا نَفَيْتُمُوهُ

    ج ٧ ص ٤٦مِنْ الصِّفَاتِ يَلْزَمُكُمْ فِيهِ نَظِيرُ مَا أَثْبَتُّمُوهُ فَإِمَّا أَنْ تُعَطِّلُوا الْجَمِيعَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ وَإِمَّا أَنْ تُمَثِّلُوهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَإِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا الْجَمِيعَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِإِثْبَاتِ أَحَدِهِمَا وَنَفْيِ الْآخَرِ فِرَارًا مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ قَوْلٌ بَاطِلٌ يَتَضَمَّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّنَاقُضَ فِي الْمَقَالَتَيْنِ. فَإِنْ قَالَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ؛ دُونَ الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا: أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ فَهَبْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ ثُبُوتُ أَحَدِهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ نَفْيُهُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا وَلَا بِالسَّمْعِ فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ؛ بَلْ الْوَاجِبُ إثْبَاتُهُ إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِهِ وَإِلَّا تُوُقِّفَ فِيهِ. (الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُمْكِنُ إقَامَةُ دَلِيلِ الْعَقْلِ عَلَى حُبِّهِ وَبُغْضِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ كَمَا يُقَامُ عَلَى مَشِيئَتِهِ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. (الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: السَّمْعُ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَقْلُ لَا يَنْفِيهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ. فَإِنْ عَادَ فَقَالَ: بَلْ الْعَقْلُ يَنْفِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالْعَقْلُ يَنْفِي التَّجْسِيمَ. قِيلَ لَهُ: الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَنْفِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي أُثْبِتُهَا؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا

    ج ٧ ص ٤٤