الله يوصف بالغيرة
فقرتان، ج ٧ ص ٢٥٣
- ج ٧ ص ٢٥٣
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ اللَّهَ يُوصَفُ " بِالْغَيْرَةِ " وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ " التَّغَيُّرِ " فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ} " وَقَالَ أَيْضًا " {لَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ وَلَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} " . وَقَالَ: " {أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي} . وَ (الْجَوَابُ: أَنَّ قِصَّةَ الْخَلِيلِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ وَهُمْ الْمُخَالِفُونَ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِنَبِيِّنَا وَلِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ مِنْ حِينِ بَزَغَ الْكَوْكَبُ وَالْقَمَرُ وَالشَّمْسُ وَإِلَى حِينِ أُفُولِهَا لَمْ يَقُلْ الْخَلِيلُ: لَا أُحِبُّ الْبَازِغِينَ وَلَا الْمُتَحَرِّكِينَ وَلَا الْمُتَحَوِّلِينَ وَلَا أُحِبُّ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحَرَكَاتُ وَلَا الْحَوَادِثُ وَلَا قَالَ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ الْنُّفَاةِ حِينَ أَفَلَ الْكَوْكَبُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ.
- ج ٧ ص ٢٥٤
وَ " الْأُفُولُ " بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ: هُوَ الْغَيْبُ وَالِاحْتِجَابُ؛ بَلْ هَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. فَلَمْ يَقُلْ إبْرَاهِيمُ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (إلَّا حِينَ أَفَلَ وَغَابَ عَنْ الْأَبْصَارِ فَلَمْ يَبْقَ مَرْئِيًّا وَلَا مَشْهُودًا - فَحِينَئِذٍ قَالَ {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} -. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَهُ مُتَحَرِّكًا مُنْتَقِلًا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ؛ بَلْ كَوْنُهُ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْيِ مَحَبَّتِهِ. فَإِنْ كَانَ إبْرَاهِيمُ إنَّمَا اسْتَدَلَّ " بِالْأُفُولِ " عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - كَمَا زَعَمُوا -: لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا يَقُومُ بِهِ الْأُفُولُ - مِنْ كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا مُنْتَقِلًا - تَحِلُّهُ الْحَوَادِثُ؛ بَلْ وَمِنْ كَوْنِهِ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا: لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ حُجَّةً عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ؛ لَا عَلَى تَعْيِينِ مَطْلُوبِهِمْ. وَهَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ لَا يَكَادُونَ يَحْتَجُّونَ " بِحُجَّةِ " سَمْعِيَّةٍ وَلَا عَقْلِيَّةٍ إلَّا وَهِيَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لَا لَهُمْ. وَلَكِنَّ " إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ {هَذَا رَبِّي} إنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ إنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ كَانُوا مُشْرِكِينَ مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ؛ وَكَانُوا يَتَّخِذُونَ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَرْبَابًا يَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ وَقَدْ صَنَّفْت فِي مِثْلِ مَذْهَبِهِمْ " كُتُبٌ " : مِثْلُ " كِتَابِ السِّرِّ الْمَكْتُومِ: فِي السِّحْرِ وَمُخَاطَبَةِ النُّجُومِ " وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ.