سئل: ما هو لقاء الله الذي وصف بظنه الخاشغين؟

٤ فقرات، ج ٧ ص ٤٦١

  1. مَا هُوَ " لِقَاءُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ؟ " الَّذِي وَصَفَ بِظَنِّهِ الْخَاشِعِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ} وَأَمَرَ بِعِلْمِهِ الْمُتَّقِينَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} وَبَشَّرَ بِالْإِقْرَارِ بِهِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ الصَّابِرِينَ وَأَشَارَ إلَى إتْيَانِ أَجَلِهِ لِلرَّاجِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} وَاشْتَهَرَ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ مِنْ كَلَامِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ كَقَوْلِهِ فِي دُعَائِهِ: {لِقَاؤُك حَقٌّ} وَقَوْلُهُ: {مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ} الْحَدِيثَ؟ ؟ . وَهَلْ يَصِحُّ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ جَزَاءُ رَبِّهِمْ أَوْ نَحْوُهُ بِكَوْنِهِ مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً فَيَسْتَحِيلُ ظَاهِرُهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرَ ظَاهِرِهِ وَيُصَارُ فِيهِ إلَى تَأْوِيلٍ مُعَيَّنٍ؟ أَمْ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذَلِكَ لِجَوَازِهِ فِي نَفْسِهِ؟ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنَّا مَحَبَّةُ مَنْ لَا نَعْرِفُهُ وَلَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَتَأَتَّى شَوْقُهُ وَحَنِينُ الْقُلُوبِ إلَيْهِ وَإِيثَارُهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ عِنْدَنَا مَعْرُوفٌ وَلِقُلُوبِنَا مَأْلُوفٌ؟ وَلَنَا بِهِ مَنْفَعَةٌ عَاجِلَةٌ وَلَذَّةٌ حَاصِلَةٌ.

    ج ٧ ص ٤٦١
  2. وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ وَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهَا بِمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ {مِنْ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِ مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ النَّعِيمِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ} الْحَدِيثَ. وَقَدْ يَعْتَرِضُ عَلَى هَذَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ حُبُّهُ اللِّقَاءَ لِمَا رَآهُ مِنْ النَّعِيمِ فَالْمَحَبَّةُ حِينَئِذٍ لِلنَّعِيمِ الْعَائِدِ إلَيْهِ لَا لِمُجَرَّدِ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ يُجَازَى عَلَيْهِ بِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى لِقَاءَهُ وَمَحَبَّتُهُ غَيْرُ خَالِصَةٍ وَإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ خَالِصًا. بَيِّنُوا لَنَا هَذِهِ الْأُمُورَ الْبَيَانَ الشَّافِيَ بِالْجَوَابِ الصَّحِيحِ الْكَافِي طَلَبًا لِلْأَجْرِ الْوَافِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ .

    ج ٧ ص ٤٦٢
  3. فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ -:
  4. الْحَمْدُ لِلَّهِ، " أَمَّا اللِّقَاءُ " فَقَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَة مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِمَا يَتَضَمَّنُ الْمُعَايَنَةَ وَالْمُشَاهَدَةَ بَعْدَ السُّلُوكِ وَالْمَسِيرِ؛ وَقَالُوا: إنَّ لِقَاءَ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ رُؤْيَتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحْتَجُّوا بِآيَاتِ " اللِّقَاءِ " عَلَى مَنْ أَنْكَرَ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْجَهْمِيَّة كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ. فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وَلَا يُرَائِي أَوْ قَالَ: وَلَا يُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا وَجَعَلُوا اللِّقَاءَ يَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: السَّيْرُ إلَى الْمَلِكِ وَالثَّانِي مُعَايَنَتُهُ. كَمَا قَالَ: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ

    ج ٧ ص ٤٦٣إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} فَذَكَرَ أَنَّهُ يَكْدَحُ إلَى اللَّهِ فَيُلَاقِيهِ وَالْكَدْحُ إلَيْهِ يَتَضَمَّنُ السُّلُوكَ وَالسَّيْرَ إلَيْهِ وَاللِّقَاءُ يَعْقُبُهُمَا. وَأَمَّا الْمُعَايَنَةُ مِنْ غَيْرِ مَسِيرٍ إلَيْهِ - كَمُعَايَنَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ - فَلَا يُسَمَّى لِقَاءً. وَقَدْ يُرَادُ بِاللِّقَاءِ الْوُصُولُ إلَى الشَّيْءِ وَالْوُصُولُ إلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِهِ. وَمِنْ دَلِيلِ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ: {إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} {إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} وَقَالَ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ} الْآيَةَ. وَقَالَ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} وَقَالَ: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} . وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْفَتَلَ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ؛ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَيْنَ كُنْت؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَك حَتَّى أَغْتَسِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ} وَفِي لَفْظٍ:

    ج ٧ ص ٤٦٤{لَقِيت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَيْضًا {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بريدة {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ اُغْزُوا وَلَا تَغْلُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ} الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ عتبة بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْقَتْلَى ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إذَا لَقِيَ عَدُوًّا قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُفْتَخِرُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ لَا يَفْضُلُهُ إلَّا النَّبِيُّونَ بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ وَرَجُلٌ فَرَقَّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَمَصْمَصَةٌ تَحْتَ ذُنُوبِهِ وَخَطَايَاهُ إنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي النَّارِ إنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ} رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَتَى مَا تَلْقَى فَرُدَّ مَنْ … تَرْجُو وَأَبُو السنل