القول في صفة الكلام مبني على الأصل في مسألة الصفات
فقرتان، ج ٧ ص ٥١٨
- ج ٧ ص ٥١٨
وَكَلَامُ ابْنِ سَبُعَيْنِ وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَابْنِ التومرت وَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ؛ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة - نفاة الصِّفَاتِ: يَدُورُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ - وَيُوجَدُ مَا يُقَارِبُ هَذَا الِاتِّحَادَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ الَّذِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ شُعَبِ الِاتِّحَادِ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْفَسَادِ. وَالْقَوْلُ فِي " مَسْأَلَةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى " وَاضْطِرَابُ النَّاسِ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهَا مِنْ " مَسَائِلِ الصِّفَاتِ " وَفِيهَا مِنْ التَّفْرِيعِ مَا امْتَازَتْ بِهِ عَلَى سَائِرِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَقَدْ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِيهَا اضْطِرَابًا كَثِيرًا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَبَيَّنَّا أَنَّ " سَلَفَ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتَهَا " كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. وَيَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ التَّكْلِيمِ وَالْمُنَاجَاةِ وَالْمُنَادَاةِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَنُ وَالْآثَارُ مُوَافِقَةً لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: مَنْ قَالَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ كَلَامٌ كَمَا قَالَتْهُ " الْجَهْمِيَّة " مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ لَمَّا أَظْهَرُوا هَذِهِ الْبِدْعَةَ اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لَهَا؛ وَعَرَفُوا أَنَّ حَقِيقَتَهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى إذْ كَانَ الْكَلَامُ وَسَائِرُ الصِّفَاتِ إنَّمَا يَعُودُ حُكْمُهَا إلَى مَنْ قَامَتْ بِهِ.
- ج ٧ ص ٥١٩
فَلَوْ خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} لَكَانَ ذَلِكَ كَلَامًا لِلشَّجَرَةِ وَكَانَتْ هِيَ الْقَائِلَةُ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ الْجُلُودُ حِينَ قَالَ لَهَا أَصْحَابُهَا: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} فَلَوْ كَانَ تَكَلُّمُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ لَكَانَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامَهُ لِأَنَّهُ خَالِقُهُ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِذَلِكَ " الْحُلُولِيَّةُ " مِنْ الْجَهْمِيَّة كَمَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ " الْفُصُوصِ " وَ " الْفُتُوحَاتِ " :
وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ … سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ إذَا خَلَقَ فِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ عِلْمًا أَوْ قُدْرَةً أَوْ حَرَكَةً أَوْ إرَادَةً: كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْعَالِمُ الْقَادِرُ الْمُتَحَرِّكُ الْمُرِيدُ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ إلَّا مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَ " شُبْهَةُ نفاة الْكَلَامِ الْمَشْهُورَةِ " أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ " الْكَلَامَ " صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ؛ فَلَوْ تَكَلَّمَ الرَّبُّ لَقَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. قَالُوا: لِأَنَّا إنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِهَا بِمَا قَامَ بِهَا مِنْ الْأَعْرَاضِ الَّتِي هِيَ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ؛ فَلَوْ قَامَ بِالرَّبِّ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا وَبَطَلَ الدَّلِيلُ الَّذِي اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى " حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ " .
ج ٧ ص ٥٢٠فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ: دَلِيلُكُمْ هَذَا دَلِيلٌ مُبْتَدَعٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا بَلْ قَدْ ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي " رِسَالَتِهِ إلَى أَهْلِ الثَّغْرِ " أَنَّهُ دَلِيلٌ مُحَرَّمٌ فِي دِينِ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِنَاءُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ؛ وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي الْعَقْلِ؛ كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرْعِ وَأَنَّ ذَمَّ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لِأَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَهْمِيَّة وَأَهْلِ الْخَوْضِ فِي الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ أَعْظَمُ مَا قَصَدُوا بِهِ ذَمَّ مِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ؛ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. وَلَمَّا ظَهَرَتْ " مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّة " جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ " أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ " يُوَافِقُ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ عَلَى إثْبَاتِ " صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ " وَبَيَّنَ أَنَّ " الْعُلُوَّ عَلَى خَلْقِهِ " يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَ " اسْتِوَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ " يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ؛ وَكَذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ الْحَارِثُ المحاسبي وَأَبُو الْعَبَّاسِ القلانسي وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. ثُمَّ جَاءَ " أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ " فَاتَّبَعَ طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ وَأَمْثَالِهِ وَذَكَرَ فِي كُتُبِهِ جُمَلَ مُقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ؛ وَأَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ يُوَافِقُهُمْ فِي أَكْثَرِهَا وَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ " الصفاتية " لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ؛ لَكِنَّ " ابْنَ كُلَّابٍ وَأَتْبَاعَهُ " لَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ أَفْعَالًا تَقُومُ بِهِ تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ وَلَا غَيْرَ الْأَفْعَالِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَكَانَتْ " الْمُعْتَزِلَةُ " تَقُولُ: لَا تُحِلُّهُ الْأَعْرَاضُ وَالْحَوَادِثُ. وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ " بِالْأَعْرَاضِ " الْأَمْرَاضَ وَالْآفَاتِ فَقَطْ؛ بَلْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الصِّفَاتِ؛ وَلَا يُرِيدُونَ
ج ٧ ص ٥٢١" بِالْحَوَادِثِ " الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا الْأَحْدَاثَ الْمُحِيلَةَ لِلْمَحَلِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ - مِمَّا يُرِيدُهُ النَّاسُ بِلَفْظِ الْحَوَادِثِ - بَلْ يُرِيدُونَ نَفْيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَغَيْرِهَا فَلَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَقُومَ بِهِ خَلْقٌ وَلَا اسْتِوَاءٌ وَلَا إتْيَانٌ وَلَا مَجِيءٌ وَلَا تَكْلِيمٌ وَلَا مُنَادَاةٌ وَلَا مُنَاجَاةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وُصِفَ بِأَنَّهُ مُرِيدٌ لَهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ. وَابْنُ كُلَّابٍ " خَالَفَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: لَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ. وَقَالَ: تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ؛ وَلَكِنْ لَا تُسَمَّى أَعْرَاضًا وَوَافَقَهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَشِيئَتِهِ. فَصَارَ مِنْ حِينِ فَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقَ الْمُنْتَسِبُونَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ - عَلَى " قَوْلَيْنِ " ذَكَرَهُمَا الْحَارِثُ المحاسبي وَغَيْرُهُ. " طَائِفَةٌ " وَافَقَتْ ابْنَ كُلَّابٍ كالقلانسي وَالْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ الطبري وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ؛ فَإِنَّهُ وَافَقَ هَؤُلَاءِ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ " الْحَارِثُ المحاسبي " يُوَافِقُهُ ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْ مُوَافَقَتِهِ؛ فَإِنَّ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ أَمَرَ بِهَجْرِ الْحَارِثِ المحاسبي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ كُلَّابٍ لَمَّا أَظْهَرُوا ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ السَّرِيُّ السقطي الْجُنَيْد أَنْ يَتَّقِيَ بَعْضَ كَلَامِ الْحَارِثِ فَذَكَرُوا أَنَّ الْحَارِثَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ