كثير من متكلمة الإثبات سلموا للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح
فقرة واحدة، ج ٩ ص ١٣٥
- ج ٩ ص ١٣٥
مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ. فَإِذَا عُرِفَ مَا فِي لَفْظِ " التَّأْثِيرِ " مِنْ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ وَعُرِفَ الْعَدْلُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ سَوَاءٌ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِيمَانِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَخُصَّهُ اللَّهُ بِقُدْرَةِ وَلَا إرَادَةٍ آمَنَ بِهَا وَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا فَعَلَ لَمْ تَحْدُثْ لَهُ مَعُونَةٌ مِنْ اللَّهِ وَإِرَادَةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ الْفِعْلِ: فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ. وَقِيلَ لِهَؤُلَاءِ: فِعْلُ الْعَبْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ وَالْمُمْكِنَاتِ فَكُلُّ مَا بِهِ يُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْدَثَ غَيْرَهُ يَعْلَمُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَهُ. فَكَوْنُ الْعَبْدِ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مُمْكِنٌ حَادِثٌ فَإِنْ أَمْكَنَ صُدُورُ هَذَا الْمُمْكِنِ الْحَادِثِ بِدُونِ مُحْدِثٍ وَاجِبٍ يُحْدِثُهُ وَيُرَجِّحُ وُجُودَهُ عَلَى عَدَمِهِ أَمْكَنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَانْتَقَضَ دَلِيلُ إثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْإِثْبَاتِ الْقَائِلِينَ بِالْقَدَرِ سَلَّمُوا لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُمْكِنُهُ تَرْجِيحُ أَحَدِ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَقَالُوا فِي " مَسْأَلَةِ إحْدَاثِ الْعَالَمِ " إنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ أَوْ الْإِرَادَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي نِسْبَتُهَا إلَى جَمِيعِ الْحَوَادِثِ وَالْأَزْمِنَةِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ رَجَّحَتْ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُمْكِنَاتِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي رَجَّحَتْهُ بِلَا حُدُوثِ سَبَبٍ اقْتَضَى الرُّجْحَانَ وَادَّعَوْا أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ أَوْ الْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ تُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ آخَرَ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ هُنَاكَ مَنْ نَازَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ
ج ٩ ص ١٣٦بِأَفْعَالِ تَقُومُ بِنَفْسِهِ وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. وَالْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ قَالُوا: هَذَا الَّذِي قُلْتُمُوهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَتَجْوِيزُ هَذَا يَقْتَضِي حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ وَالتَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَذَلِكَ يَسُدُّ بَابَ إثْبَاتِ الصَّانِعِ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى نفاة الْقَدَرِ وَقَالُوا: حُدُوثُ فِعْلِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ مُرَجِّحٍ تَامٍّ غَيْرِ الْعَبْدِ فَإِنَّ مَا كَانَ مِنْ الْعَبْدِ فَهُوَ مُحْدَثٌ أَيْضًا وَعِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمُحْدَثِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ يَجِبُ وُجُودُ فِعْلِ الْعَبْدِ وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ حَقٌّ وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ لَكِنَّهُمْ نَقَضُوهُ وَتَنَاقَضُوا فِيهِ فِي فِعْلِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَادَّعَوْا هُنَاكَ أَنَّ الْبَدِيهَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ فِعْلِ الْقَادِرِ وَبَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْفَرْقُ صَحِيحًا بَطَلَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ قَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بَطَلَ قَوْلُهُمْ فِي إحْدَاثِ اللَّهِ وَفِعْلِهِ لِلْعَالَمِ وَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ إلَّا بِمُرَجِّحِ تَامٍّ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يُمْكِنُ الْقَدْحُ فِيهِ وَهُوَ عَامٌّ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ فَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ خَلْقَ الْعَالَمِ هُوَ الْعَالِمُ وَأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ. وَمَنْ قَالَ إنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ وَغَيْرَهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ أَسْبَابًا أَوْ أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا مُجَرَّدُ اقْتِرَانٍ