سبب اعتراض ابن عقيل على من سأل لذة النظر إلى وجه الله

فقرتان، ج ٩ ص ٣٥٥

  1. قِيلَ: لَا مَعْنَى لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عِنْدَكُمْ إلَّا مَحَبَّةَ ذَلِكَ الْعِوَضِ، وَالْعِوَضُ غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ حَتَّى يُحَبَّ وَإِذَا قِيلَ: بَلْ إذَا قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا يُحَبُّ غَيْرُهُ إلَّا لِذَاتِهِ الْمَعْنَى: أَنَّك إذَا أَطَعْتنِي أَعْطَيْتُك أَعْظَمَ مَا تُحِبُّهُ صَارَ مُحِبًّا لِذَلِكَ الْآمِرِ لَهُ. قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ قَلْبُهُ فَارِغًا مِنْ مَحَبَّةِ ذَلِكَ الْآمِرِ وَإِنَّمَا هُوَ مُعَلَّقٌ بِمَا وَعَدَهُ مِنْ الْعِوَضِ عَلَى عَمَلِهِ كَالْفَعَلَةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ الْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَطْلُبُونَ بِهِ أُجُورَهُمْ فَهُمْ قَدْ لَا يَعْرِفُونَ صَاحِبَ الْعَمَلِ أَوْ لَا يُحِبُّونَهُ وَلَا لَهُمْ غَرَضٌ فِيهِ إنَّمَا غَرَضُهُمْ فِي الْعِوَضِ الَّذِي يُحِبُّونَهُ. وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ اتَّبَعَهَا مِنْ الشِّيعَةِ؛ إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا لُطْفًا فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ فَجَعَلُوا أَعْظَمَ الْمَعَارِفِ تَبَعًا لِمَا ظَنُّوهُ وَاجِبًا بِالْعَقْلِ وَهُمْ يُنْكِرُونَ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَالنَّظَرَ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ لَذَّةِ النَّظَرِ.

    ج ٩ ص ٣٥٥
  2. وَابْنُ عَقِيلٍ لَمَّا كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِ طَائِفَةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك. فَقَالَ: يَا هَذَا هَبْ أَنَّ لَهُ وَجْهًا أَفَتَتَلَذَّذُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَهَذَا اللَّفْظُ مَأْثُورٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِي وَغَيْرُهُ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الدُّعَاءِ: {اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَشْيَتَك فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُك كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَأَسْأَلُك الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَأَسْأَلُك نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ وَأَسْأَلُك قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ وَأَسْأَلُك

    ج ٩ ص ٣٥٦الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَسْأَلُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِك مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ اللَّهُمَّ: زينا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ} . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَظُنُّهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - وَمَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ صهيب عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ؛ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه. فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ} يَعْنِي قَوْلَهُ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} . فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا أُعْطُوهُ مِنْ النَّعِيمِ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ وَإِذَا كَانَ النَّظَرُ إلَيْهِ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِمْ عَلِمَ أَنَّهُ نَفْسَهُ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِمْ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ أَحَبَّ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ إلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ مَحَبَّةَ الرُّؤْيَةِ تَتْبَعُ مَحَبَّةَ الْمَرْئِيِّ وَمَا لَا يُحَبُّ وَلَا يُبْغَضُ فِي نَفْسِهِ لَا تَكُونُ رُؤْيَتُهُ أَحَبَّ إلَى الْإِنْسَانِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ. وَ " فِي الْجُمْلَةِ " فَإِنْكَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْكَلَامِ - أَيْضًا - مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ. وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى