خطأ الاستدلال بحديث " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " على النظم المنطقي
فقرة واحدة، ج ١٠ ص ١١٠
- ج ١٠ ص ١١٠
النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَقُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ أَوْ قُلْنَا: هُوَ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ. فَقَوْلُنَا: النَّبِيذُ الْمُسْكِرُ خَمْرٌ يُعْلَمُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ} " وَقَوْلُنَا " كُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " يُعْلَمُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ؛ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الصُّغْرَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ} ". وَفِي لَفْظٍ: " {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} ". وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ هَذَا عَلَى النَّظْمِ الْمَنْطِقِيِّ لِتَبْيِينِ النَّتِيجَةِ بالمقدمتين كَمَا يَفْعَلُهُ الْمَنْطِقِيُّونَ؛ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِمَّنْ يَظُنُّهُ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِثْلَ هَذَا الطَّرِيقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ؛ بَلْ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ عَقْلًا وَعِلْمًا مِنْ آحَادِ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَةَ هَؤُلَاءِ الْمَنْطِقِيِّينَ؛ بَلْ يَعُدُّونَهُمْ مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ إلَّا الصِّنَاعَاتِ كَالْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْعُلُومُ الْبُرْهَانِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ الْيَقِينِيَّةُ وَالْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ فَلَمْ يَكُونُوا مِنْ رِجَالِهَا. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ فِي كُتُبِهِمْ وَبَسَطُوا الْكَلَامَ عَلَيْهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كَوْنَ كُلِّ خَمْرٍ حَرَامًا هُوَ مِمَّا عَلِمَهُ الْمُسْلِمُونَ. فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا شَكَّ بَعْضُهُمْ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ كَالنَّبِيذِ الْمَصْنُوعِ مِنْ الْعَسَلِ وَالْحُبُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
ج ١٠ ص ١١١أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا شَرَابٌ مَصْنُوعٌ مِنْ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ وَشَرَابٌ يُصْنَعُ مِنْ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمَزْرُ قَالَ - وَكَانَ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ - فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} " فَأَجَابَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَضِيَّةِ كُلِّيَّةٍ بَيَّنَ بِهَا أَنَّ كُلَّ مَا يُسْكِرُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ. وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ مَا يُسْكِرُ فَهُوَ خَمْرٌ وَهَاتَانِ قَضِيَّتَانِ كُلِّيَّتَانِ صَادِقَتَانِ مُتَطَابِقَتَانِ الْعِلْمُ بِأَيِّهِمَا كَانَ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِتَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ. إذْ لَيْسَ الْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِمَا جَمِيعًا؛ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} " وَهُوَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيذَ الْمُسْكِرَ حَرَامٌ وَلَكِنْ قَدْ يَحْصُلُ الشَّكُّ هَلْ أَرَادَ الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ أَوْ أَرَادَ جِنْسَ الْمُسْكِرِ وَهَذَا شَكٌّ فِي مَدْلُولِ قَوْلِهِ فَإِذَا عَلِمَ مُرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ الْمَطْلُوبَ. وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ النَّبِيذَ خَمْرٌ. وَالْعِلْمُ بِهَذَا أَوْكَدُ فِي التَّحْرِيمِ؛ فَإِنَّ مَنْ يُحَلِّلُ النَّبِيذَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ لَا يُسَمِّيهِ خَمْرًا فَإِذَا عَلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّ " {كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ} " كَانَ هَذَا وَحْدَهُ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ عِنْدَ أَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمٌ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمِنْ بِالرَّسُولِ فَهَذَا لَا يُسْتَدَلُّ بِنَصِّهِ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرَّمَ الْخَمْرَ فَهَذَا لَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: " {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ} " بَلْ يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: " {كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} " وَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ بِهَذَا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْمُسْكِرَ اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ عِنْدَ
ج ١٠ ص ١١٢الشَّارِعِ. وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ عِنْدَهُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مُسْكِرٍ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامَ فِي تَقْرِيرِ " الْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ " بَلْ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّمْثِيلِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمِثَالَ كَثِيرًا مَا يُمَثِّلُ بِهِ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمَنْطِقِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. والمنطقيون يُمَثِّلُونَ بِصُورَةِ مُجَرَّدَةٍ عَنْ الْمَوَادِّ لَا تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِئَلَّا يُسْتَفَادَ الْعِلْمُ بِالْمِثَالِ مِنْ صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا يَقُولُونَ: كُلُّ أ: بـ وَكُلُّ بـ: ج. فَكُلُّ أ: ج وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعِلْمُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمَوَادِّ الْمُعَيَّنَةِ. فَإِذَا جُرِّدَتْ يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُعَيَّنَاتِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إذَا طُولِبُوا بِالْعِلْمِ بالمقدمتين الْكُلِّيَّتَيْنِ فِي جَمِيعِ مَطَالِبِهِمْ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُؤْخَذْ عَنْ الْمَعْصُومِينَ تَجِدُهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ فِيهَا بِالْمُعَيَّنَاتِ الْمَطْلُوبَةِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِهَا مَوْقُوفًا عَلَى الْبُرْهَانِ. فَالْقَضَايَا النَّبَوِيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي سَمَّوْهُ بُرْهَانًا. وَمَا يُسْتَفَادُ بِالْعَقْلِ مِنْ الْعُلُومِ أَيْضًا لَا يَحْتَاجُ إلَى قِيَاسِهِمْ الْبُرْهَانِيِّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَا فِي السَّمْعِيَّاتِ وَلَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَامْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ لَا يَحْصُلُ عِلْمٌ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقَضَايَا الْحِسِّيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا جُزْئِيَّةً فَنَحْنُ لَمْ نُدْرِكْ بِالْحِسِّ إلَّا إحْرَاقَ هَذِهِ النَّارِ وَهَذِهِ النَّارِ لَمْ نُدْرِكْ أَنَّ كُلَّ نَارٍ مُحْرِقَةٌ فَإِذَا جَعَلْنَا هَذِهِ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً وَقُلْنَا: كُلُّ نَارٍ مُحْرِقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَنَا طَرِيقٌ