بيان فساد قول المناطقة: إن قياسهم هو الذي يفيد اليقين

فقرة واحدة، ج ١٠ ص ١١٥

  1. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا الْعِلْمُ بِالْبَدِيهَةِ أَوْ الضَّرُورَةِ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِأَنَّ هَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةَ مَعْلُومَةٌ بِالْبَدِيهَةِ وَالضَّرُورَةِ وَأَنَّ النَّفْسَ مُضْطَرَّةٌ إلَى هَذَا الْعِلْمِ. وَهَذَا إنْ كَانَ حَقًّا فَالْعِلْمُ بِالْأَعْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِأَنْوَاعِ الْكُلِّيَّاتِ يَحْصُلُ أَيْضًا فِي النَّفْسِ بِالْبَدِيهَةِ وَالضَّرُورَةِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فَإِنَّ جَزْمَ الْعُقَلَاءِ بِالشَّخْصِيَّاتِ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ أَعْظَمُ مِنْ جَزْمِهِمْ بِالْكُلِّيَّاتِ وَجَزْمَهُمْ بِكُلِّيَّةِ الْأَنْوَاعِ أَعْظَمُ مِنْ جَزْمِهِمْ بِكُلِّيَّةِ الْأَجْنَاسِ وَالْعِلْمُ بِالْجُزْئِيَّاتِ أَسْبَقُ إلَى الْفِطْرَةِ فَجَزْمُ الْفِطْرَةِ بِهَا أَقْوَى. ثُمَّ كُلَّمَا قَوِيَ الْعَقْلُ اتَّسَعَتْ الْكُلِّيَّاتُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعِلْمَ بِالْأَشْخَاصِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ وَلَا إنَّ الْعِلْمَ بِالْأَنْوَاعِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْأَجْنَاسِ بَلْ قَدْ يَعْلَمُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ كَذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ كَذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ عِلْمُهُ بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ مَوْقُوفًا عَلَى الْبُرْهَانِ وَإِذَا عَلِمَ حُكْمَ سَائِرِ النَّاسِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ فَالنَّفْسُ تَحْكُمُ بِذَلِكَ بِوَاسِطَةِ عِلْمِهَا أَنَّ ذَلِكَ الْغَائِبَ مِثْلُ هَذَا الشَّاهِدِ أَوْ أَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِكَوْنِهِ حَسَّاسًا مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَالتَّعْلِيلِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ وَقِيَاسَهُمْ هُوَ الَّذِي يُفِيدُ الْيَقِينَ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَنَّ

    ج ١٠ ص ١١٦قِيَاسَ التَّمْثِيلِ وَقِيَاسَ الشُّمُولِ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ بِالْمَادَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنْ كَانَتْ يَقِينِيَّةً فِي أَحَدِهِمَا كَانَتْ يَقِينِيَّةً فِي الْآخَرِ وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً فِي أَحَدِهِمَا كَانَتْ ظَنِّيَّةً فِي الْآخَرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قِيَاسَ الشُّمُولِ مُؤَلَّفٌ مِنْ الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْغَرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْأَكْبَرِ وَالْحَدُّ الْأَوْسَطُ فِيهِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ عِلَّةً وَمَنَاطًا وَجَامِعًا. فَإِذَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ النَّبِيذِ: كُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إثْبَاتِ الْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى وَحِينَئِذٍ يَتْمُ الْبُرْهَانُ وَحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَيَكُونُ حَرَامًا قِيَاسًا عَلَى خَمْرِ الْعِنَبِ. بِجَامِعِ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ الْإِسْكَارِ فَإِنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ مَنَاطُ التَّحْرِيمِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ فَبِمَا بِهِ يُقَرَّرُ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ بِهِ يُقَرَّرُ أَنَّ السُّكْرَ مَنَاطُ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ بَلْ التَّفْرِيقُ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ أَسْهَلُ عَلَيْهِ لِشَهَادَةِ الْأَصْلِ لَهُ بِالتَّحْرِيمِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ قَدْ عُلِمَ ثُبُوتُهُ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ. وَلَا يَكْفِي فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ إثْبَاتُهُ فِي أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ لِثُبُوتِهِ فِي الْجُزْءِ الْآخَرِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَمْرٍ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِلْزَامِهِ لِلْحُكْمِ؛ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الغالطين؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُشْتَرِكَ بَيْنَهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ وَالْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ. وَهَذَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ وَهَذَا السُّؤَالُ أَعْظَمُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَجَوَابُهُ هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ غَالِبًا

    ج ١٠ ص ١١٥