مبدأ وضع "المنطق " من الهندسة
فقرتان، ج ١٠ ص ١٣٠
- ج ١٠ ص ١٣٠
وَلَمَّا كَانَتْ الْأَفْلَاكُ مُسْتَدِيرَةً وَلَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ حِسَابِهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ الْهَنْدَسَةِ وَأَحْكَامِ الْخُطُوطِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَالْمُنْحَنِيَةِ تَكَلَّمُوا فِي " الْهَنْدَسَةِ " لِذَلِكَ وَلِعِمَارَةِ الدُّنْيَا. فَلِهَذَا صَارُوا يَتَوَسَّعُونَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ غَرَضٌ إلَّا مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ الْأَعْدَادِ وَالْمَقَادِيرِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْغَايَةُ مِمَّا يُوجَبُ طَلَبُهَا بِالسَّعْيِ الْمَذْكُورِ وَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ غَايَةً لِبَعْضِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ فَإِنَّ لَذَّاتِ النُّفُوسِ أَنْوَاعٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْتَذُّ بِالشَّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَالْقِمَارِ حَتَّى يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُ. وَكَانَ مَبْدَأُ وَضْعِ " الْمَنْطِقِ " مِنْ الْهَنْدَسَةِ وَسَمَّوْهُ حُدُودًا لِحُدُودِ تِلْكَ الْأَشْكَالِ؛ لِيَنْتَقِلُوا مِنْ الشَّكْلِ الْمَحْسُوسِ إلَى الشَّكْلِ الْمَعْقُولِ وَهَذَا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَتَعَذُّرِ الْمَعْرِفَةِ عَلَيْهِمْ إلَّا بِالطَّرِيقِ الْبَعِيدَةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَسَّرَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْإِيمَانِ مَا بَرَزُوا بِهِ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا " الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ " الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدٌ عَنْ الْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْلُومٌ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا هُوَ عَامٌّ بِأُمُورِ كُلِّيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لَا تُوجَدُ كُلِّيَّةً إلَّا فِي الذِّهْنِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا مِنْ كَمَالِ النَّفْسِ شَيْءٌ. وَإِنْ عَرَفُوا وَاجِبَ الْوُجُودِ بِخُصُوصِهِ فَهُوَ عِلْمٌ بِمُعَيَّنِ يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ. وَهَذَا مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْبُرْهَانَ فَبُرْهَانُهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ، لَا وَاجِبِ الْوُجُودِ وَلَا غَيْرِهِ
ج ١٠ ص ١٣١وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ كُلِّيٍّ. وَالْكُلِّيُّ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ. وَوَاجِبُ الْوُجُودِ يَمْنَعُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ. وَمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَ اللَّهَ وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ لِلرَّبِّ إلَّا مَعْرِفَةَ الْكُلِّيَّاتِ - كَمَا يَزْعُمُهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ كَمَالٌ لِلرَّبِّ فَكَذَلِكَ يَظُنُّهُ كَمَالًا لِلنَّفْسِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا سِيَّمَا إذَا قَالَ: إنَّ النَّفْسَ لَا تُدْرِكُ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ. وَإِنَّمَا يُدْرِكُ الْجُزْئِيَّاتِ الْبَدَنُ - فَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَهَذِهِ الْكُلِّيَّاتُ الَّتِي لَا تُعْرَفُ بِهَا الْجُزْئِيَّاتُ الْمَوْجُودَةُ لَا كَمَالَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ وَالنَّفْسُ إنَّمَا تُحِبُّ مَعْرِفَةَ الْكُلِّيَّاتِ لِتُحِيطَ بِهَا بِمَعْرِفَةِ الْجُزْئِيَّاتِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَمْ تَفْرَحْ النَّفْسُ بِذَلِكَ.
-
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّ النَّفْسَ تَكْمُلُ بِالْكُلِّيَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ كَمَا يَزْعُمُونَ فَمَا يَذْكُرُونَهُ فِي الْعِلْمِ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ النَّاظِرِ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَصَوُّرَ مَعْنَى الْوُجُودِ فَقَطْ أَمْرٌ ظَاهِرٌ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ الْحَدِّ عِنْدَهُمْ لِظُهُورِهِ فَلَيْسَ هُوَ الْمَطْلُوبَ وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ أَقْسَامُهُ وَنَفْسُ أَقْسَامِهِ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَجَوْهَرٍ وَعَرَضٍ وَعِلَّةٍ وَمَعْلُولٍ وَقَدِيمٍ وَحَادِثٍ: هُوَ أَخَصُّ مِنْ مُسَمَّى الْوُجُودِ وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ انْقِسَامِ الْأَمْرِ الْعَامِّ فِي الذِّهْنِ إلَى أَقْسَامٍ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الْأَقْسَامِ مِمَّا يَقْتَضِي عِلْمًا كُلِّيًّا عَظِيمًا عَالِيًا عَلَى تَصَوُّرِ الْوُجُودِ. فَإِذَا عَرَفْت الْأَقْسَامَ فَلَيْسَ مَا هُوَ عِلْمٌ بِمَعْلُومِ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ وَالِاسْتِحَالَةَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ دَلِيلٌ أَصْلًا يَدُلُّهُمْ أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ هَكَذَا. وَجَمِيعُ