أرسطو وأتباعه أجهل الطوائف في العلم الإلهي، وغالب كلامهم في الطبيعيات جيد
٣ فقرات، ج ١٠ ص ١٣٤
- ج ١٠ ص ١٣٤
الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أُخِذَ عَنْ الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ كالْإِسْمَاعِيلِيَّة. وَكَانَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَأَتْبَاعُهُمْ مَعْرُوفِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِلْحَادِ وَأَحْسَنُ مَا يُظْهِرُونَ دِينَ الرَّفْضِ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ يُبْطِنُونَ الْكُفْرَ الْمَحْضَ. وَقَدْ صَنَّفَ الْمُسْلِمُونَ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ كُتُبًا كِبَارًا وَصِغَارًا وَجَاهَدُوهُمْ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ إذْ كَانُوا بِذَلِكَ أَحَقَّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا كِتَابُ " كَشْفِ الْأَسْرَارِ وَهَتْكِ الْأَسْتَارِ " لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ وَكِتَابُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ وَكِتَابُ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَكَلَامُ أَبِي إسْحَاقَ وَكَلَامُ ابْنِ فورك وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى والشَّهْرَستَانِي. وَغَيْرُ هَذَا مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ.
-
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ ابْنَ سِينَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ كَانُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَغَلَ بِالْفَلْسَفَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَذْكُرُونَ الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَنْتَسِبُ إلَيْهِمْ هُمْ مَعَ الْإِلْحَادِ الظَّاهِرِ وَالْكُفْرِ الْبَاطِنِ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ مَنْ سَلَفِهِ الْفَلَاسِفَةِ: كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ إلَّا مَا عِنْدَ عُبَّادِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
-
وَقَدْ ذَكَرْت كَلَامَ أَرِسْطُو نَفْسِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي " عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ " فِي " مَقَالَةِ اللَّامِ " وَغَيْرِهَا وَهُوَ آخِرُ مُنْتَهَى فَلْسَفَتِهِ وَبَيَّنْت بَعْضَ مَا فِيهِ مِنْ الْجَهْلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الطَّوَائِفِ الْمَعْرُوفِينَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ مَعَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ مِثْلَ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَجْهَلُ
ج ١٠ ص ١٣٥مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَا أَبْعَدُ عَنْ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ. نَعَمْ لَهُمْ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ كَلَامٌ غَالِبُهُ جَيِّدٌ. وَهُوَ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَاسِعٌ وَلَهُمْ عُقُولٌ عَرَفُوا بِهَا ذَلِكَ وَهُمْ قَدْ يَقْصِدُونَ الْحَقَّ لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ الْعِنَادُ؛ لَكِنَّهُمْ جُهَّالٌ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ إلَى الْغَايَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إلَّا قَلِيلٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ. وَابْنُ سِينَا لَمَّا عَرَفَ شَيْئًا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ قَدْ تَلَقَّى مَا تَلَقَّاهُ عَنْ الْمَلَاحِدَةِ وَعَمَّنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ مَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا عَرَفَهُ بِعَقْلِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ مَا أَخَذَهُ مِنْ سَلَفِهِ. وَمِمَّا أَحْدَثَهُ مِثْلَ كَلَامِهِ فِي النُّبُوَّاتِ وَأَسْرَارِ الْآيَاتِ وَالْمَنَامَاتِ؛ بَلْ وَكَلَامِهِ فِي بَعْضِ الطَّبِيعِيَّاتِ وَكَلَامِهِ فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِلَّا فَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ ذِكْرُ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ " الْعِلَّةَ الْأُولَى " وَيُثْبِتُونَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِلَّةٌ غائية لِلْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ. فَابْنُ سِينَا أَصْلَحَ تِلْكَ الْفَلْسَفَةَ الْفَاسِدَةَ بَعْضَ إصْلَاحٍ حَتَّى رَاجَتْ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ الطَّلَبَةِ النُّظَّارِ. وَصَارَ يَظْهَرُ لَهُمْ بَعْضُ مَا فِيهَا مِنْ التَّنَاقُضِ فَيَتَكَلَّمُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُ؛ وَلَكِنْ سَلَّمُوا لَهُمْ أُصُولًا فَاسِدَةً فِي الْمَنْطِقِ وَالطَّبِيعِيَّاتِ وَالْإِلَهِيَّاتِ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَا دَخَلَ فِيهَا مِنْ الْبَاطِلِ فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى ضَلَالِهِمْ فِي مَطَالِبَ عَالِيَةٍ إيمَانِيَّةٍ وَمَقَاصِدَ سَامِيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ خَرَجُوا بِهَا
ج ١٠ ص ١٣٦عَنْ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَصَارُوا بِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ بَلْ يُسَفْسِطُونَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَيُقَرْمِطُونَ فِي السَّمْعِيَّاتِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ النَّفْسَ تَكْمُلُ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ. كَمَا زَعَمُوهُ مَعَ أَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ النَّفْسَ لَهَا قُوَّتَانِ: قُوَّةٌ عِلْمِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وَقُوَّةٌ إرَادِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ كَمَالِ الْقُوَّتَيْنِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَعِبَادَتُهُ تَجْمَعُ مَحَبَّتَهُ وَالذُّلَّ لَهُ فَلَا تَكْمُلُ نَفْسٌ قَطُّ إلَّا بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَالْعِبَادَةُ تَجْمَعُ مَعْرِفَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَالْعُبُودِيَّةَ لَهُ؛ وَبِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ كُلَّهَا تَدْعُوَا إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ؛ مَقْصُودُهَا إصْلَاحُ أَخْلَاقِ النَّفْسِ لِتَسْتَعِدَّ لِلْعِلْمِ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ كَمَالُ النَّفْسِ أَوْ مَقْصُودُهَا إصْلَاحُ الْمَنْزِلِ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ الْحِكْمَةُ الْعَمَلِيَّةُ؛ فَيَجْعَلُونَ الْعِبَادَاتِ وَسَائِلَ مَحْضَةً إلَى مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْعِلْمِ؛ وَلِذَلِكَ يَرَوْنَ هَذَا سَاقِطًا عَمَّنْ حَصَّلَ الْمَقْصُودَ كَمَا تَفْعَلُ الْمَلَاحِدَةُ الْإِسْماعِيلِيَّة وَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِلْحَادِ أَوْ بَعْضِهِ وَانْتَسَبَ إلَى الصُّوفِيَّةِ أَوْ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ الشِّيعَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ. فالْجَهْمِيَّة قَالُوا: الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ خَيْرًا مِنْ قَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ بِمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْكَمَالَ مَعْرِفَةَ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ وَلَوَاحِقِهِ. وَهَذَا أَمْرٌ