تنازع الناس في الأسماء والصفات، هل هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق أو بالعكس أو حقيقة فيهما؟
٤ فقرات، ج ١٠ ص ١٤٦
- ج ١٠ ص ١٤٦
وُجُودِ هَذَا الْوَاجِبِ أَكْمَلَ مِنْ وُجُودِ الْمُمْكِنِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى الْوُجُودِ مَعْنًى كُلِّيًّا مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ: كَاسْمِ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَكَذَلِكَ فِي صِفَاتِهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفَرَحِهِ وَسَائِرِ مَا نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
-
وَالنَّاسُ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْبَابِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَأَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِئِ مِنْ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ كَانُوا أَسْبَقَ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ: هِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْخَالِقِ مَجَازٌ فِي الْمَخْلُوقِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ: بِالْعَكْسِ هِيَ مَجَازٌ فِي الْخَالِقِ حَقِيقَةٌ فِي الْمَخْلُوقِ وَقَالَ جَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا. وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفِ النُّظَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ؛ لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَنَاقَضُ فَيُقِرُّ فِي بَعْضِهَا بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ كَاسْمِ الْمَوْجُودِ وَالنَّفْسِ وَالذَّاتِ وَالْحَقِيقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيُنَازِعُ فِي بَعْضِهَا لِشُبَهِ نفاة الْجَمِيعِ. وَالْقَوْلُ فِيمَا نَفَاهُ نَظِيرُ الْقَوْلِ فِيمَا أَثْبَتَهُ؛ وَلَكِنْ هُوَ لِقُصُورِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَنَفْيُ الْجَمِيعِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَوْجُودَ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَقَدِيمٍ وَحَادِثٍ وَغَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَمَفْعُولٍ وَغَيْرِ مَفْعُولٍ وَأَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْوَاجِبِ. وَوُجُودَ الْمُحْدَثِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْقَدِيمِ وَوُجُودَ الْفَقِيرِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْغَنِيِّ وَوُجُودَ الْمَفْعُولِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ
ج ١٠ ص ١٤٧غَيْرِ الْمَفْعُولِ. وَحِينَئِذٍ فَبَيْنَ الْوُجُودَيْنِ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ وَالْوَاجِبُ يَخْتَصُّ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجَمِيعِ. وَالْأَسْمَاءُ الْمُشَكَّكَةُ هِيَ مُتَوَاطِئَةٌ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ نُظَّارِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَخُصُّونَ الْمُشَكَّكَةَ بِاسْمِ؛ بَلْ لَفْظُ الْمُتَوَاطِئَةِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَالْمُشَكَّكَةُ قِسْمٌ مِنْ الْمُتَوَاطِئَةِ الْعَامَّةِ وَقَسِيمُ الْمُتَوَاطِئَةِ الْخَاصَّةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ كُلِّيٍّ وَهُوَ مُسَمَّى الْمُتَوَاطِئَةِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُطْلَقًا إلَّا فِي الذِّهْنِ وَهَذَا مَدْلُولُ قِيَاسِهِمْ الْبُرْهَانِيِّ. وَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ التَّفَاضُلِ وَهُوَ مَدْلُولُ الْمُشَكَّكَةِ الَّتِي هِيَ قَسِيمُ الْمُتَوَاطِئَةِ الْخَاصَّةِ وَذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ الْأَقْيِسَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَهِيَ قِيَاسُ الْأَوْلَى. وَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ خَاصَّةِ الرَّبِّ الَّتِي بِهَا يَتَمَيَّزُ عَمَّا سِوَاهُ وَذَلِكَ مَدْلُولُ آيَاتِهِ سُبْحَانَهُ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتُهَا ثُبُوتَ نَفْسِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ قِيَاسٌ لَا بُرْهَانِيٌّ وَلَا غَيْرُ بُرْهَانِيٍّ. فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ قِيَاسَهُمْ الْبُرْهَانِيَّ لَا يُحَصِّلُ الْمَطْلُوبَ الَّذِي بِهِ تَكْمُلُ النَّفْسُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَعْرِفَةِ خَالِقِهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: لَا تُعْلَمُ الْمَطَالِبُ إلَّا بِهِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذَا الْمَقَامِ التَّنْبِيهُ عَلَى بُطْلَانِ " قَضِيَّتِهِمْ السَّالِبَةِ " وَهِيَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعُلُومَ النَّظَرِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِوَاسِطَةِ بُرْهَانِهِمْ.
- ج ١٠ ص ١٤٨
ثُمَّ لَمْ يَكْفِهِمْ هَذَا السَّلْبُ الْعَامُّ الَّذِي تَحَجَّرُوا فِيهِ وَاسِعًا؛ وَقَصَرُوا الْعُلُومَ عَلَى طَرِيقٍ ضَيِّقَةٍ لَا تُحَصِّلُ إلَّا مَطْلُوبًا لَا طَائِلَ فِيهِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ؛ إنَّمَا يَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحَدِّ الْأَوْسَطِ؛ كَمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ. وَهُمْ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمَّنْ نَفَى عِلْمَهُ وَعِلْمَ أَنْبِيَائِهِ مِنْ سَلَفِهِمْ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْبِيَائِهِ وَكُتُبِهِ. فَابْنُ سِينَا لَمَّا تَمَيَّزَ عَنْ أُولَئِكَ؛ بِمَزِيدِ عِلْمٍ وَعَقْلٍ؛ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ الْمَنْطِقِيَّ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ. وَصَارَ سَالِكُو هَذِهِ الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْ سَلَفِهِمْ وَأَكْمَلَ فَهُمْ أَضَلُّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَجْهَلُ إذْ كَانَ أُولَئِكَ حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَصِفَاتِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِهَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ لِمَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ الْكِبْرِ وَالْخَيَالِ وَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ لِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مَنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ متنقصين أَوْ مُعَادِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} وَقَالَ: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} .
- ج ١٠ ص ١٤٩
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ وَمُتَابَعَةِ هَؤُلَاءِ لَهُ والنمرود بْنِ كَنْعَانَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَمُخَالَفَتِهِمْ لِمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاضِعَ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ آلَ إبْرَاهِيمَ أَئِمَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَآلَ فِرْعَوْنَ أَئِمَّةً لِأَهْلِ النَّارِ قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} إلَى قَوْلِهِ: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَقَالَ فِي آلِ إبْرَاهِيمَ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُتَأَخِّرِيهِمْ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ جَعَلُوا عِلْمَ الرَّبِّ يَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ وَكَذَلِكَ عِلْمُ أَنْبِيَائِهِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إلَّا بِالْبُرْهَانِ الَّذِي وَصَفُوهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا السَّلْبُ بَاطِلًا فِي عِلْمِ آحَادِ النَّاسِ كَانَ بُطْلَانُهُ