محبة الله لعبده، وإنكار الجهمية حقيقة الحب من الطرفين
فقرتان، ج ١١ ص ٦٦
- ج ١١ ص ٦٦
مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فَكَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَكَذَلِكَ حُبُّهُ لِأَهْلِهَا وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ. وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ حَقٌّ كَمَا نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَجَمِيعُ مَشَايِخِ الدِّينِ الْمُتَّبَعُونَ وَأَئِمَّةُ التَّصَوُّفِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ مَحَبَّةً حَقِيقِيَّةً؛ بَلْ هِيَ أَكْمَلُ مَحَبَّةٍ فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مَحَبَّةً حَقِيقِيَّةً. وَأَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّة حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ وَأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ابْتَدَعَ هَذَا فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَمِيرُ الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ بواسط. خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلْ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ
ج ١١ ص ٦٧مُوسَى تَكْلِيمًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ وَكَانَ قَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَأَظْهَرَهُ وَنَاظَرَ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ أُضِيفَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة فَقَتَلَهُ سَلْمُ بْنُ أَحْوَزَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِهَا ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَتْبَاعِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَظَهَرَ قَوْلُهُمْ أَثْنَاءَ خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ حَتَّى امْتَحَنَ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ وَدَعَوْا إلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَأَصْلُ قَوْلِهِمْ هَذَا مَأْخُوذٌ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئَةِ مِنْ البراهمة والمتفلسفة وَمُبْتَدِعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الرَّبَّ لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ أَصْلًا وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْدَاءُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ الْهَيَاكِلَ لِلْعُقُولِ وَالنُّجُومِ وَغَيْرِهَا وَهُمْ يُنْكِرُونَ فِي الْحَقِيقَةِ أَنْ يَكُونَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا لِأَنَّ الْخُلَّةَ هِيَ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ لِلْمُحِبِّ كَمَا قِيلَ:
قَدْ تَخَلَّلْت مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ} - يَعْنِي نَفْسَهُ -. وَفِي رِوَايَةٍ: {إنِّي أَبْرَأُ إلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا} وَفِي رِوَايَةٍ: {إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ
ج ١١ ص ٦٨خَلِيلًا} فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ خَلِيلًا وَأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يُحِبُّ أَشْخَاصًا كَمَا {قَالَ لِمُعَاذِ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِلْأَنْصَارِ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ ابْنُهُ أُسَامَةُ حِبُّهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. {وَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ العاص: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيْك؟ قَالَ: عَائِشَةُ قَالَ فَمِنْ الرِّجَالِ. قَالَ أَبُوهَا} . {وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ قَالَتْ: بَلَى قَالَ: فَأَحِبِّي عَائِشَةَ} . {وَقَالَ لِلْحَسَنِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ} وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ. فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِمَحَبَّةِ أَشْخَاصٍ وَقَالَ: {إنِّي أَبْرَأُ إلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا} فَعُلِمَ أَنَّ الْخُلَّةَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمَحَبَّةِ بِحَيْثُ هِيَ مِنْ كَمَالِهَا وَتَخَلَّلَهَا الْمُحِبُّ حَتَّى يَكُونَ الْمَحْبُوبُ بِهَا مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ لَا لِشَيْءِ آخَرَ. إذْ الْمَحْبُوبُ لِشَيْءِ غَيْرِهِ هُوَ مُؤَخَّرٌ فِي الْحُبِّ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَمِنْ كَمَالِهَا لَا تَقْبَلُ الشَّرِكَةَ وَالْمُزَاحَمَةَ لِتَخَلُّلِهَا الْمُحِبَّ فَفِيهَا كَمَالُ التَّوْحِيدِ وَكَمَالُ الْحُبِّ. فَالْخُلَّةُ تُنَافِي الْمُزَاحَمَةَ وَتُقَدِّمُ الْغَيْرَ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَحْبُوبُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ
- ج ١١ ص ٦٩
مَحَبَّةً لَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا غَيْرُهُ وَهَذِهِ مَحَبَّةٌ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلَّهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَكَهُ غَيْرُهُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَكُلُّ مَا يُحَبُّ غَيْرَهُ - إذَا كَانَ مَحْبُوبًا بِحَقِّ - فَإِنَّمَا يُحَبُّ لِأَجْلِهِ وَكُلُّ مَا أُحِبَّ لِغَيْرِهِ فَمَحَبَّتُهُ بَاطِلَةٌ فَالدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا كَانَتْ الْخُلَّةُ كَذَلِكَ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ يُنْكِرُ مخاللته. وَكَذَلِكَ أَيْضًا إنْ أَنْكَرَ مَحَبَّتَهُ لِأَحَدِ مِنْ عِبَادِهِ فَهُوَ يُنْكِرُ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلًا بِحَيْثُ يُحِبُّ الرَّبَّ وَيُحِبُّهُ الْعَبْدُ عَلَى أَكْمَلِ مَا يَصْلُحُ لِلْعِبَادِ. وَكَذَلِكَ تَكْلِيمُهُ لِمُوسَى أَنْكَرُوهُ لِإِنْكَارِهِمْ أَنْ تَقُومَ بِهِ صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ أَوْ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ فَكَمَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَتَّصِفَ بِحَيَاةِ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ أَنْ يَسْتَوِيَ أَوْ أَنْ يَجِيءَ فَكَذَلِكَ يُنْكِرُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يُكَلِّمَ فَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ. {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} . لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ ظَاهِرًا وَالْقُرْآنُ مَتْلُوًّا لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ أَخَذُوا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَتَأَوَّلُوا مَحَبَّةَ الْعِبَادِ لَهُ بِمُجَرَّدِ مَحَبَّتِهِمْ لِطَاعَتِهِ أَوْ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ فَإِنَّ مَحَبَّةَ الْمُتَقَرِّبِ إلَى الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ تَابِعٌ لِمَحَبَّتِهِ وَفَرْعٌ عَلَيْهِ فَمَنْ لَا يُحِبُّ الشَّيْءَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحِبَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ إذْ التَّقَرُّبُ وَسِيلَةٌ وَمَحَبَّةُ الْوَسِيلَةِ تَبَعٌ لِمَحَبَّةِ الْمَقْصُودِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ إلَى الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ هِيَ الْمَحْبُوبَ دُونَ الشَّيْءِ الْمَقْصُودِ بِالْوَسِيلَةِ.