الحسد قرين البغضاء
فقرة واحدة، ج ١١ ص ١٢٧
- ج ١١ ص ١٢٧
فَإِنَّ " الْخُلُقَ " مَا صَارَ عَادَةً لِلنَّفْسِ وَسَجِيَّةً. قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُيَيْنَة وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْهُمْ: عَلَى دِينٍ عَظِيمٍ وَفِي لَفْظٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَدَبُ الْقُرْآنِ هُوَ الْخُلُقُ الْعَظِيمُ. وَأَمَّا " الْهَوَى " فَقَدْ يَكُونُ عَارِضًا وَالدَّاءُ هُوَ الْمَرَضُ وَهُوَ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ وَالْفَسَادُ فِيهِ وَقَرَنَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْحَسَدَ بِالْبَغْضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَاسِدَ يَكْرَهُ أَوَّلًا فَضْلَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى بُغْضِهِ؛ فَإِنَّ بُغْضَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي بُغْضَ الْمَلْزُومِ فَإِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ إذَا كَانَتْ لَازِمَةً وَهُوَ يُحِبُّ زَوَالَهَا وَهِيَ لَا تَزُولُ إلَّا بِزَوَالِهِ أَبْغَضَهُ وَأَحَبَّ عَدَمَهُ وَالْحَسَدُ يُوجِبُ الْبَغْيَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّنْ قَبْلَنَا: أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بَلْ عَلِمُوا الْحَقَّ وَلَكِنْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا يَبْغِي الْحَاسِدُ عَلَى الْمَحْسُودِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا؛ وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ} وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ أَيْضًا {وَاَلَّذِي
ج ١١ ص ١٢٨نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ} . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} . فَهَؤُلَاءِ الْمُبَطِّئُونَ لَمْ يُحِبُّوا لِإِخْوَانِهِمْ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُحِبُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ بَلْ إنْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فَرِحُوا بِاخْتِصَاصِهِمْ وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ لَمْ يَفْرَحُوا لَهُمْ بِهَا بَلْ أَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مِنْهَا حَظٌّ فَهُمْ لَا يَفْرَحُونَ إلَّا بِدُنْيَا تَحْصُلُ لَهُمْ أَوْ شَرٍّ دُنْيَوِيٍّ يَنْصَرِفُ عَنْهُمْ إذَا كَانُوا لَا يُحِبُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَأَحَبُّوا إخْوَانَهُمْ وَأَحَبُّوا مَا وَصَلَ إلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ وَتَأَلَّمُوا بِمَا يُصِيبُهُمْ مِنْ الْمُصِيبَةِ وَمَنْ لَمْ يَسُرَّهُ مَا يَسُرُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسُوءُهُ مَا يَسُوءُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: {سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ. إذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ} . وَالشُّحُّ مَرَضٌ وَالْبُخْلُ مَرَضٌ وَالْحَسَدُ شَرٌّ مِنْ الْبُخْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ