بدعة القدرية ورد الصحابة عليها

٣ فقرات، ج ١١ ص ٣٥٧

  1. ثُمَّ مَاتَ يَزِيدُ وَتَفَرَّقَتْ الْأُمَّةُ: ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْحِجَازِ وَبَنُو الْحَكَمِ بِالشَّامِ وَوَثَبَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ بِالْعِرَاقِ. وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الخدري وَغَيْرِهِمْ حَدَثَتْ " بِدْعَةُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ " فَرَدَّهَا بَقَايَا الصَّحَابَةِ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ مَا كَانُوا يَرُدُّونَهُ هُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ بِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ. وَعَامَّةُ مَا كَانَتْ الْقَدَرِيَّةُ إذْ ذَاكَ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ: أَعْمَالُ الْعِبَادِ كَمَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا الْمُرْجِئَةُ فَصَارَ كَلَامُهُمْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ " الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ " و " الْوَعْدِ و " الْوَعِيدِ " وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بَعْدُ فِي رَبِّهِمْ وَلَا فِي صِفَاتِهِ إلَّا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ صِغَارِ التَّابِعِينَ مِنْ حِينِ أَوَاخِرِ " الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ " حِينَ شَرَعَ. " الْقَرْنُ الثَّالِثُ " - تَابِعُو التَّابِعِينَ - يَنْقَرِضُ أَكْثَرُهُمْ - فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِجُمْهُورِ أَهْلِ الْقَرْنِ وَهُمْ وَسَطُهُ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ انْقَرَضُوا بِانْقِرَاضِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ إلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانِ. انْقَرَضُوا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَجُمْهُورُ تَابِعِي التَّابِعِينَ انْقَرَضُوا فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ؛ وَأَوَائِلِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ - وَصَارَ

    ج ١١ ص ٣٥٨فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعَاجِمِ وَخَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَمْرِ عَنْ وِلَايَةِ الْعَرَبِ وَعُرِّبَتْ بَعْضُ الْكُتُبِ الْعَجَمِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْفُرْسِ وَالْهِنْدِ وَالرُّومِ وَظَهَرَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ وَيَحْلِفَ وَلَا يُسْتَحْلَفُ} - حَدَثَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ. " الرَّأْيُ " و " الْكَلَامُ " و " التَّصَوُّفُ " . وَحَدَثَ " التَّجَهُّمُ " وَهُوَ نَفْيُ الصِّفَاتِ. وَبِإِزَائِهِ " التَّمْثِيلُ " . فَكَانَ جُمْهُورُ الرَّأْيِ مِنْ الْكُوفَةِ؛ إذْ هُوَ غَالِبٌ عَلَى أَهْلِهَا مَعَ مَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ التَّشَيُّعِ الْفَاحِشِ وَكَثْرَةِ الْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّ فِي خِيَارِ أَهْلِهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ؛ لَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّ فِيهَا نَشَأَ كَثْرَةُ الْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ، وَكَثْرَةُ الْآرَاءِ فِي الْفِقْهِ، وَالتَّشَيُّعُ فِي الْأُصُولِ، وَكَانَ جُمْهُورُ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ فِي الْبَصْرَةِ. فَإِنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِين بِقَلِيلِ ظَهَرَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ؛ وَمَنْ اتَّبَعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالِاعْتِزَالِ. وَظَهَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ (١) الهجيمي الَّذِي صَحِبَ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ،

    ج ١١ ص ٣٥٩وَعَبْدُ الْوَاحِدِ صَحِبَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَبَنَى دويرة لِلصُّوفِيَّةِ؛ هِيَ أَوَّلُ مَا بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ يُسَمُّونَهُمْ " الفقرية " وَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي دويرة لَهُمْ. وَصَارَ لِهَؤُلَاءِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ طَرِيقٌ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مَعَ تَمَسُّكِهِمْ بِغَالِبِ الدِّينِ. وَلِهَؤُلَاءِ مِنْ التَّعَبُّدِ الْمُحْدَثِ طَرِيقٌ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مَعَ تَمَسُّكِهِمْ بِغَالِبِ التَّعَبُّدِ الْمَشْرُوعِ وَصَارَ لِهَؤُلَاءِ حَالٌ مِنْ السَّمَاعِ وَالصَّوْتِ حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ يَمُوتُ أَوْ يُغْشَى عَلَيْهِ. وَلِهَؤُلَاءِ حَالٌ فِي الْكَلَامِ وَالْحُرُوفِ حَتَّى خَرَجُوا بِهِ إلَى تَفْكِيرٍ أَوْقَعَهُمْ فِي تَحَيُّرٍ. وَهَؤُلَاءِ أَصْلُ أَمْرِهِمْ " الْكَلَامُ " . وَهَؤُلَاءِ أَصْلُ أَمْرِهِمْ " الْإِرَادَةُ " . وَهَؤُلَاءِ يَقْصِدُونَ " بِالْكَلَامِ " التَّوْحِيدَ؛ وَيُسَمُّونَ نُفُوسَهُمْ الْمُوَحِّدِينَ. وَهَؤُلَاءِ يَقْصِدُونَ " بِالْإِرَادَةِ " التَّوْحِيدَ وَيُسَمُّونَ نُفُوسَهُمْ أَهْلَ

    ج ١١ ص ٣٥٧
  2. التَّوْحِيدِ وَالتَّجْرِيدِ. وَقَدْ كَتَبْت قَبْلَ هَذَا فِي " الْقَوَاعِدِ " مَا فِي طَرِيقَيْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ وَأَهْلِ الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ مِنْ الِانْحِرَافِ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ. كَمَا بَيَّنْت فِي " قَاعِدَةٍ كَبِيرَةٍ " أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالدِّينِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاسْتِصْحَابُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ. وَكَانَ " أَهْلُ الْمَدِينَةِ " أَقْرَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ إذْ لَمْ يَنْحَرِفُوا انْحِرَافَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: هَوًى وَرِوَايَةً وَرَأْيًا وَكَلَامًا وَسَمَاعًا وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِمْ نَوْعُ انْحِرَافٍ لَكِنْ هُمْ أَقْرَبُ. وَأَمَّا " الشَّامِيُّونَ " فَكَانَ غَالِبُهُمْ مُجَاهِدِينَ وَأَهْلَ أَعْمَالٍ قَلْبِيَّةٍ أَقْرَبَ إلَى الْحَالِ الْمَشْرُوعِ مِنْ صُوفِيَّةِ الْبَصْرِيِّينَ إذْ ذَاكَ. وَلِهَذَا تَجِدُ كُتُبَ " الْكَلَامِ؛ وَالتَّصَوُّفِ " إنَّمَا خَرَجَتْ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْبَصْرَةِ. فَمُتَكَلِّمَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَئِمَّتُهُمْ بَصْرِيُّونَ: مِثْلُ أَبِي الهذيل الْعَلَّافِ وَأَبِي عَلِيٍّ الجبائي وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. . . (١) وَأَبِي الْحُسَيْنِ،

    ج ١١ ص ٣٦١الْبَصْرِيِّ وَكَذَلِكَ مُتَكَلِّمَةُ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ؛ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَاهِلِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَانِي وَغَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ كُتُبُ " الْمُتَصَوِّفَةِ وَمَنْ خَلَطَ التَّصَوُّفَ بِالْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ " كَكُتُبِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ المحاسبي وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ. وَقَدْ شَرَكَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ والْخُراسانِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ خَلْقٌ. لَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْأُصُولَ مِنْ ثَمَّ. كَمَا أَنَّ " عِلْمَ النُّبُوَّةِ " مِنْ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ؛ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ إنَّمَا خَرَجَتْ مِنْ الْأَمْصَارِ الَّتِي يَسْكُنُهَا جُمْهُورُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ الْحَرَمَانِ وَالْعِرَاقَانِ وَالشَّامُ: الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ وَالْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ وَالشَّامُ وَسَائِرُ الْأَمْصَارِ تَبَعٌ. فَالْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ؛ وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَثْبَتُهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وكقتادة وَشُعْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.

    ج ١١ ص ٣٦٠
  3. وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فِيهِمْ الصَّادِقُ وَالْكَاذِبُ. وَأَهْلُ الشَّامِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَثِيرٌ كَاذِبٌ وَلَا أَئِمَّةٌ كِبَارٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ فَمَالِكٌ عَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَابْنُ جريج وَغَيْرُهُ. مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ؛ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْأَوْزَاعِي وَطَبَقَتُهُ بِالشَّامِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَالِكًا إنَّمَا احْتَذَى مُوَطَّأَهُ. عَلَى كِتَابِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَقِيلَ: إنَّ كِتَابَ ابْنِ جريج قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَكِّيًّا فَإِنَّهُ تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمِصْرِهِ. وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَإِنْ كَانَ أَجْدَادُهُ بَصْرِيِّينَ فَإِنَّهُ تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِالْبَصْرِيِّينَ وَلَا غَيْرِهِمْ. كَمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الخُراسانِيِّينَ وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ مِنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ " . فَالْعِلْمُ الْمَشْرُوعُ وَالنُّسُكُ الْمَشْرُوعُ مَأْخُوذٌ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا مَا جَاءَ عَمَّنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ

    ج ١١ ص ٣٦٢