فارق بين هم الخطرات وهم الإصرار

٤ فقرات، ج ١١ ص ٧٤٣

  1. لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} الْآيَةُ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِي هَذِهِ؟ فَقَالَ: لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي} فَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ وَأَمْثَالُهُ لَا بُدَّ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَهُمَّ بِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: {وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ} لَكِنَّ إرَادَتَهُ الْقَلْبِيَّةَ لِلْقُبْلَةِ كَانَتْ إرَادَةً جَازِمَةً فَاقْتَرَنَ بِهَا فِعْلُ الْقُبْلَةِ بِالْقُدْرَةِ وَأَمَّا إرَادَتُهُ لِلْجِمَاعِ فَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ جَازِمَةٍ وَقَدْ تَكُونُ جَازِمَةً لَكِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا. وَالْأَشْبَهُ فِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.

    ج ١١ ص ٧٤٣
  2. فَتَفْرِيقُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: بَيْنَ هَمِّ الْخَطِرَاتِ وَهَمِّ الْإِصْرَارِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَوَابُ فَمَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْفِعْلِ إلَّا الْعَجْزُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَإِنْ فَعَلَهُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْعَوْدِ مَتَى قَدَرَ فَهُوَ مُصِرٌّ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْمُصِرُّ الَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ الْيَوْمَ ثُمَّ لَا يَشْرَبُهَا إلَى شَهْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةٍ وَمَنْ نِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى شُرْبِهَا " شَرِبَهَا " . وَقَدْ يَكُونُ مُصِرًّا إذَا عَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ كَمَنْ يَعْزِمُ عَلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ هَذَا بِتَائِبِ مُطْلَقًا. وَلَكِنَّهُ تَارِكٌ لِلْفِعْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيُثَابُ إذَا كَانَ ذَلِكَ التَّرْكُ لِلَّهِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّائِبِينَ الَّذِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مَغْفِرَةً مُطْلَقَةً وَلَا هُوَ مُصِرٌّ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الَّذِي

    ج ١١ ص ٧٤٤وَصَفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فَهُوَ مُصِرٌّ إذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْعَوْدُ إلَى شُرْبِهَا. قُلْت: وَاَلَّذِي قَدْ تَرَكَ الْمَعَاصِيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْعَوْدُ إلَيْهَا فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ مُصِرٌّ أَيْضًا. لَكِنَّ نِيَّتَهُ أَنْ يَشْرَبَهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا غَيْرُ النِّيَّةِ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ فَإِذَا قَدَرَ قَدْ تَبْقَى نِيَّتُهُ وَقَدْ لَا تَبْقَى وَلَكِنْ مَتَى كَانَ مُرِيدًا إرَادَةً جَازِمَةً لَا يَمْنَعُهُ إلَّا الْعَجْزُ فَهُوَ مُعَاقَبٌ عَلَى ذَلِكَ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِإِرَادَتِهِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِعْلِ مَعَهُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَا يَذْكُرُ عَنْ الْحَارِثِ المحاسبي أَنَّهُ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ النَّاوِيَ لِلْفِعْلِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ لَهُ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ صَحِيحٌ مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنَّ النَّاوِيَ لِلْفِعْلِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ وَأَمَا النَّاوِي الْجَازِمُ الْآتِي بِمَا يُمْكِنُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ التَّامِّ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ رَتَّبَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} وَقَالَ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلَّا النَّارُ} وَقَالَ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ

    ج ١١ ص ٧٤٥الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} .

  3. فَرَتَّبَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى كَوْنِهِ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ وَيُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَيُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا وَقَالَ فِي آيَةِ هُودٍ: {نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} - إلَى أَنْ قَالَ - {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ أَعْمَالٌ بَطَلَتْ وَعُوقِبُوا عَلَى أَعْمَالٍ أُخْرَى عَمِلُوهَا وَأَنَّ الْإِرَادَةَ هُنَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعَمَلِ وَلَمَّا ذَكَرَ إرَادَةَ الْآخِرَةِ قَالَ: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} . وَذَلِكَ لِأَنَّ إرَادَةَ الْآخِرَةِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَتْ عَمَلَهَا فَالثَّوَابُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا كُلَّ سَعْيٍ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الْآيَةُ {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ} فَهَذَا نَظِيرُ تِلْكَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ هُودٍ وَهَذَا يُطَابِقُ قَوْلَهُ: {إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا} إلَّا أَنَّهُ قَالَ: {فَإِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ} أَوْ أَنَّهُ {كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ} فَذَكَرَ الْحِرْصَ وَالْإِرَادَةَ عَلَى الْقَتْلِ وَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ فِعْلٌ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا دَخَلَ فِي حَدِيثِ الْعَفْوِ: {إنَّ اللَّهَ عَفَا لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا} .

  4. وَمِمَّا يُبْنَى عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ - بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ