سئل عن قوم يروون أحاديث لا سند لها
٣ فقرات، ج ١٢ ص ٧٢
- ج ١٢ ص ٧٢
عَنْ قَوْمٍ يَرْوُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ لَا سَنَدَ لَهُمْ بِهَا. فَيَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَا مِنْ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنِّي يَتَّسِمُونَ بِالْأَهْوِيَةِ مِنْهُ} فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَيَقْرَءُونَ بَيْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَدَّثَانِ بِحَدِيثِ أَبْقَى بَيْنِهِمَا كَأَنِّي زِنْجِيٌّ لَا أَفْقَهَ. فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا أَمْ لَا؟ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ فَوَجَدَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَغْزُونَ مَعَهُ حَقِيقَةً. وَإِنَّهُ أَلْزَمَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً فَلَمَّا فَرَّ الْمُسْلِمُونَ مُنْهَزِمِينَ ضَرَبُوا بِسُيُوفِهِمْ فِي عَسْكَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالُوا: نَحْنُ حِزْبُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوا إلَّا مُنَافِقِينَ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْمَسْئُولُ تَعْيِينُ " أَصْحَابِ الصُّفَّةِ " كَمْ هُمْ مِنْ رَجُلٍ؟ وَمَنْ كَانُوا مِنْ
ج ١٢ ص ٧٣الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا عُرِجَ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ سِرٍّ وَأَمَرَهُ أَلَّا يُظْهِرَهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ. فَلَمَّا نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ وَجَدَ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ يَتَحَدَّثُونَ بِهَا فَقَالَ: يَا رَبِّ؛ إنَّنِي لَمْ أُظْهِرْ عَلَى هَذَا السِّرِّ أَحَدًا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنَّهُمْ كَانُوا شُهُودًا بَيْنِي وَبَيْنَك فَهَلْ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ صِحَّةٌ أَمْ لَا؟
- فَأَجَابَ:
-
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، جَمِيعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَكَاذِيبُ مُخْتَلَقَةٌ لِيَتَبَوَّأَ مُفْتَرِيهَا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ - أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّهَا مَكْذُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ لَيْسَ لِشَيْءِ مِنْهَا أَصْلٌ؛ بَلْ مَنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ؛ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَلَيْسَ لِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَصْلٌ أَلْبَتَّةَ. وَلَا تُوجَدُ فِي كِتَابٍ؛ وَلَا رَوَاهَا قَطُّ أَحَدٌ مِمَّنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَأَمَّا " الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ " قَوْلُهُ: {أَنَا مِنْ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنِّي} فَلَا يُحْفَظُ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لَكِنْ {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك} كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} أَيْ أَنْتُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ. مُتَّفِقُونَ فِي الْقَصْدِ وَالْهُدَى كَالرُّوحَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَّفِقَانِ فِي صِفَاتِهِمَا؛ وَهِيَ الْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ الَّتِي
ج ١٢ ص ٧٤قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ} وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ جُزْءًا مِنْ الْخَالِقِ تَعَالَى. فَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ يَقُولُهُ أَعْدَاءُ اللَّهِ النَّصَارَى وَمَنْ غَلَا مِنْ الرَّافِضَةِ؛ وَجُهَّالُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَمَنْ اعْتَقَدَهُ فَهُوَ كَافِرٌ. نَعَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ الْمُحِبِّينَ لَهُ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ؛ وَمَنَازِلِ الْيَقِينِ مَا لَا تَكَادُ تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَلَا يَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ إلَّا مَنْ أَدْرَكَهُ وَنَالَهُ؛ وَالرَّبُّ رَبٌّ. وَالْعَبْدُ عَبْدٌ. لَيْسَ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ؛ وَلَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ: وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ يَعْتَقِدُ حُلُولَ الرَّبِّ تَعَالَى بِهِ؛ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا اتِّحَادَهُ بِهِ. وَإِنَّ سَمْعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ. فَكَثِيرٌ مِنْهُ مَكْذُوبٌ اخْتَلَقَهُ الْأَفَّاكُونَ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ المباحية؛ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ وَأَلْحَقَهُمْ بِالطَّائِفَةِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَاَلَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ عَنْ الشُّيُوخِ لَهُ مَعَانٍ صَحِيحَةٌ؛ وَمِنْهُ مَا صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي حَالِ اسْتِيلَاءِ حَالٍ عَلَيْهِ؛ أَلْحَقَهُ تِلْكَ السَّاعَةَ بِالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ الْقَوْلِ ثُمَّ إذَا ثَابَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَتَمْيِيزُهُ يُنْكِرُ ذَلِكَ الْقَوْلَ؛ وَيُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُهُ؛ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْقَوْلِ فِي حَالِ غَيْبَةِ