مقارنة بين ابن عربي والتلمساني

٩ فقرات، ج ٢ ص ١٨٥

  1. إلَهًا وَاحِدًا. وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِالشِّرْكِ تَارَةً وَجَعَلَهُمْ قِسْمًا غَيْرَ الْمُشْرِكِينَ تَارَةً؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانُوا مُتَنَاقِضَيْنِ. وَهَكَذَا حَالُ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرُ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُثْبِتُوا وُجُودَ الْعَالَمِ؛ فَجَعَلُوا ثُبُوتَ الْعَالَمِ فِي عِلْمِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ لَهُ وَجَعَلُوهُ مُتَجَلِّيًا لِذَلِكَ الْمَشْهُودِ لَهُ فَإِذَا تَجَلَّى فِيهِ كَانَ هُوَ الْمُتَجَلِّيَ لَا غَيْرُهُ وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَعْيَانُ الْمَشْهُودَةُ هِيَ الْعَالَمَ.

    ج ٢ ص ١٨٥
  2. وَهَذَا الرَّجُلُ وَابْنُ عَرَبِيٍّ: يَشْتَرِكَانِ فِي هَذَا وَلَكِنْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

  3. فَإِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ يَقُولُ: وُجُودُ الْحَقِّ ظَهَرَ فِي الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِهَا. فَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْحَقُّ وَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْخَلْقُ وَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْحَقُّ وَالْخَلْقُ وَإِنْ شِئْت قُلْت لَا حَقَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا خَلْقَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنْ شِئْت قُلْت بِالْحَيْرَةِ فِي ذَلِكَ.

  4. وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ يَقُولُ: تَجَلَّى الْأَعْيَانُ الْمَشْهُودَةُ لَهُ فَقَدْ قَالَا فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ مَا يُشْبِهُ قَوْلَ مَلَكِيَّةِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ حَيْثُ قَالُوا: بِأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا لَهُ أُقْنُومَانِ. وَأَمَّا التلمساني فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ تَعَدُّدًا بِحَالِ؛ فَهُوَ مِثْلُ يَعَاقِبَةِ النَّصَارَى وَهُمْ أَكْفَرُهُمْ وَالنَّصَارَى قَالُوا بِذَلِكَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: إنَّ اللَّاهُوتَ يَتَدَرَّعُ بِالنَّاسُوتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَدَرِّعًا بِهِ.

  5. وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: إنَّهُ فِي جَمِيعِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَقَالُوا بِعُمُومِ ذَلِكَ وَلُزُومِهِ وَالنَّصَارَى قَالُوا بِخُصُوصِهِ وَحُدُوثِهِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: النَّصَارَى إنَّمَا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ خَصَّصُوا. وَهَذَا الْمَعْنَى: قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْفُصُوصِ وَذَكَرَ أَنَّ إنْكَارَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى عُبَّادِ الْأَصْنَامِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ التَّخْصِيصِ وَإِلَّا فَالْعَارِفُ الْمُكَمِّلُ مَنْ عَبَدَهُ فِي كُلِّ مَظْهَرٍ؛ وَهُوَ الْعَابِدُ وَالْمَعْبُودُ؛ وَأَنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ لَوْ تَرَكُوا عِبَادَتَهُمْ: لَتَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بِقَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا وَأَنَّ مُوسَى إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى هَارُونَ: لِكَوْنِ هَارُونَ نَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ؛ لِضِيقِ هَارُونَ وَعِلْمِ مُوسَى بِأَنَّهُمْ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ هَارُونَ إنَّمَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى الْعِجْلِ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ فِي كُلِّ صُورَةٍ وَأَنَّ أَعْظَمَ مَظْهَرٍ عُبِدَ فِيهِ هُوَ الْهَوَى فَمَا عُبِدَ أَعْظَمُ مِنْ الْهَوَى؛ لَكِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ يُثْبِتُ أَعْيَانًا ثَابِتَةً فِي الْعَدَمِ. وَهَذَا ابْنُ حَمَوَيْهِ إنَّمَا أَثْبَتَهَا مَشْهُودَةً فِي الْعِلْمِ فَقَطْ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لَكِنْ لَا يَتِمُّ مَعَهُ مَا طَلَبَهُ مِنْ الِاتِّحَادِ وَلِهَذَا كَانَ هُوَ أَبْعَدَهُمْ عَنْ تَحْقِيقِ الِاتِّحَادِ وَأَقْرَبَ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ تَنَاقُضًا وَهَذَيَانًا فَكَثْرَةُ الْهَذَيَانِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ الْكُفْرِ. وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ هَذَا: أَنَّهُ جَعَلَ وُجُودَهُ مَشْرُوطًا بِوُجُودِ الْعَالَمِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ مَا غَيْرُ الْعَالَمِ كَمَا أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الْأَجْفَانِ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِالْحَدَقَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللَّهُ مُفْتَقِرًا إلَى الْعَالَمِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَاحْتِيَاجِ نُورِ الْعَيْنِ

    ج ٢ ص ١٨٧إلَى الْجَفْنَيْنِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَهُ فِيمَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ إلَى أَمْوَالِهِمْ لِيُعْطِيَهَا الْفُقَرَاءَ؛ فَكَيْفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ جَعَلَ ذَاتَه مُفْتَقِرَةً إلَى مَخْلُوقَاتِهِ بِحَيْثُ لَوْلَا مَخْلُوقَاتُهُ لَانْتَشَرَتْ ذَاتُهُ وَتَفَرَّقَتْ وَعَدِمَتْ كَمَا يَنْتَشِرُ نُورُ الْعَيْنِ وَيَتَفَرَّقُ وَيَعْدَمُ إذَا عَدِمَ الْجَفْنُ؟ . وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا} الْآيَةَ. فَمَنْ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} الْآيَةَ. وَقَالَ: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} وَقَالَ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} {وَلَا يَئُودُهُ} لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يُكْرِثُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ؛ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد: {مَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْكُرْسِيِّ إلَّا كَحَلْقَةِ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ وَالْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ كَتِلْكَ الْحَلْقَةِ فِي الْفَلَاةِ} وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الْآيَةَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: {إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ} فَمَنْ يَكُونُ فِي قَبْضَتِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَكُرْسِيُّهُ قَدْ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا

    ج ٢ ص ١٨٨وَبِأَمْرِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُهُمَا أَنْ تَزُولَا أَيَكُونُ مُحْتَاجًا إلَيْهِمَا مُفْتَقِرًا إلَيْهِمَا إذَا زَالَا تَفَرَّقَ وَانْتَشَرَ؟ . وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُكَفِّرُونَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ السَّمَوَاتِ تُقِلُّهُ أَوْ تُظِلُّهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ احْتِيَاجِهِ إلَى مَخْلُوقَاتِهِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَرْشِ كَاحْتِيَاجِ الْمَحْمُولِ إلَى حَامِلِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ؟ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ حَيٌّ قَيُّومٌ هُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ وَمَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ: ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ فَكَيْفَ بِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّهُ إذَا ارْتَفَعَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ: تَفَرَّقَ وَانْتَشَرَ وَعَدِمَ؟ فَأَيْنَ حَاجَتُهُ فِي الْحَمْلِ إلَى الْعَرْشِ مِنْ حَاجَةِ ذَاتِهِ إلَى مَا هُوَ دُونَ الْعَرْشِ؟ . ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِقِدَمِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَدَوَامِهَا: فَهَذَا كُفْرٌ. وَهُوَ قَوْلٌ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَإِنْكَارِ انْفِطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَانْشِقَاقِهِمَا وَإِنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِحُدُوثِهِمَا فَكَيْفَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِمَا؟ هَلْ كَانَ مُنْتَشِرًا مُتَفَرِّقًا مَعْدُومًا ثُمَّ لَمَّا خَلَقَهُمَا صَارَ مَوْجُودًا مُجْتَمِعًا؟ هَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ؟ . فَأَنْتُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ مَعَ غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ فَاخْتَارُوا أَيَّهمَا شِئْتُمْ: إنَّ صُوَرَ الْعَالَمِ لَا تَزَالُ تَفْنَى وَيَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ بَدَلُهَا مِثْلُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَمِثْلُ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي الْجَوِّ مِنْ السَّحَابِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلَّمَا عُدِمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ: يَنْتَقِصُ مِنْ نُورِ الْحَقِّ وَيَتَفَرَّقُ

    ج ٢ ص ١٨٦
  6. وَيُعْدَمُ بِقَدْرِ مَا عُدِمَ مِنْ ذَلِكَ وَكُلَّمَا زَادَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ: زَادَ نُورُهُ وَاجْتَمَعَ وَوُجِدَ. وَأَمَّا إنْ عَنَى أَنَّ نُورَ اللَّهِ بَاقٍ بَعْدَ زَوَالِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ فَمَا الشَّيْءُ الَّذِي يَظْهَرُ بَعْدَ عَدَمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ وَأَيُّ تَأْثِيرٍ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي حِفْظِ نُورِ اللَّهِ؟ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ - أَوْ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ} وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " إنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ نُورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ " . فَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَشَفَ حِجَابَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهِمَا فَمَنْ يَكُونُ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ تُحْرِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِنَّمَا حِجَابُهُ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ هَذَا الْإِحْرَاقَ أَيَكُونُ نُورُهُ إنَّمَا يَحْفَظُ بِالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ . (الْوَجْهُ السَّابِعُ قَوْلُهُ فَالْعَلَوِيَّاتُ جَفْنُهَا الْفَوْقَانِيُّ وَالسُّفْلِيَّاتُ جَفْنُهَا التَّحْتَانِيُّ وَالتَّفْرِقَةُ الْبَشَرِيَّةُ فِي السُّفْلِيَّاتِ أَهْدَابُ الْجَفْنِ الْفَوْقَانِيِّ وَالنَّفْسُ الْكُلِّيَّةُ سَوَادُهَا وَالرُّوحُ الْأَعْظَمُ بَيَاضُهَا. يُقَالُ لَهُ: فَإِذَا كَانَ الْعَالَمُ هُوَ هَذِهِ

    ج ٢ ص ١٩٠الْعَيْنُ: فَالْعَيْنُ الْأُخْرَى أَيُّ شَيْءٍ هِيَ؟ وَبَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ أَيْنَ هِيَ؟ هَذَا لَازِمُ قَوْلِك إنْ عَنَيْت بِالْعَيْنِ الْمُتَعَيِّنَ وَإِنْ عَنَيْت الذَّاتَ وَالنَّفْسَ - وَهُوَ مَا تَعَيَّنَ فِيهِ - فَقَدْ جَعَلْت نَفْسَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَلَائِكَةِ: أَبْعَاضًا مِنْ اللَّهِ وَأَجْزَاءً مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ الِاتِّحَادِيَّةِ الَّذِينَ أَتْبَعَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ. فَيُقَالُ لَهُ: فَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ شَيْئًا وَلَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَخْلُقَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَخَلْقُهُ لِنَفْسِهِ مُحَالٌ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْبَدِيهَةِ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} ؟ يَقُولُ: أَخُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَمْ هُمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ؟ . وَلِهَذَا قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: لَمَّا سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ أَحْسَسْت بِفُؤَادِي قَدْ انْصَدَعَ. فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْخَالِقَ لَا يَكُونُ هُوَ الْمَخْلُوقَ بِالْبَدِيهَةِ وَخَلْقُهُ لِغَيْرِهِ مُمْتَنِعٌ عَلَى أَصْلِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَجْزَاءٌ مِنْهُ لَيْسَتْ غَيْرًا لَهُ. (الْوَجْهُ) الثَّامِنُ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَشَرَ أَهْدَابَ جَفْنِ حَقِيقَةِ اللَّهِ وَهُمْ دَائِمًا يَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ وَيَمُوتُونَ وَيَحْيَوْنَ وَفِيهِمْ الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْفَاجِرُ وَالْبَرُّ فَتَكُونُ أَهْدَابُ جَفْنِ حَقِيقَةِ اللَّهِ: لَا تَزَالُ مُفَرَّقَةً كَاشِرَةً فَاسِدَةً وَيَكُونُ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: أَجْفَانُ حَقِيقَتِهِ وَقَدْ لَعَنَ مَنْ جَعَلَهُمْ أَبْنَاءَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاصْطِفَاءِ فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ؟ .

    ج ٢ ص ١٨٩
  7. (الْوَجْهُ التَّاسِعُ) أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ مِنْ حَيْثُ جَعْلُ الرُّوحِ بَيَاضَهَا وَالنَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ سَوَادَهَا وَالسَّمَوَاتِ الْجَفْنَ الْأَعْلَى وَالْأَرْضُونَ الْجَفْنَ الْأَسْفَلَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَفْنَيْ عَيْنِ الْإِنْسَانِ: مُحِيطَانِ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالرُّوحُ وَالنَّفْسُ عِنْدَهُ هِيَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيْسَتْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا أَنَّ سَوَادَ الْعَيْنِ وَبَيَاضَهَا بَيْنَ الْجَفْنَيْنِ فَهَذَا التَّمْثِيلُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ الْكُفْرِ: فَفِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَالتَّنَاقُضِ مَا تَرَاهُ. (الْوَجْهُ الْعَاشِرُ) أَنَّ النَّفْسَ الْكُلِّيَّةَ اسْمٌ تَلَقَّاهُ عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةُ. وَأَمَّا الرُّوحُ: فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بِهَا هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْعَقْلَ وَهُوَ أَوَّلُ الصَّادِرَاتِ وَسَمَّاهُ هُوَ رُوحًا وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِ الصَّابِئَةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْحُنَفَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. لَكِنَّ الصَّابِئَةَ الْفَلَاسِفَةَ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ وَالْأَفْلَاكُ وَالْأَرْضُ لَا يَجْعَلُونَهَا إيَّاهُ وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَهَا إيَّاهُ. فَقَوْلُهُمْ إنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ مِثْلِ فِرْعَوْنَ - وَحِزْبِهِ - الَّذِي قَالَ: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} ؟ وَقَالَ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي} وَقَالَ: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} الْآيَةَ. فَإِنَّ فِرْعَوْنَ: يُقِرُّ بِوُجُودِ هَذَا الْعَالَمِ وَيَقُولُ: مَا فَوْقَهُ رَبٌّ وَلَا لَهُ خَالِقٌ غَيْرُهُ.

    ج ٢ ص ١٩١
  8. فَهَؤُلَاءِ إذَا قَالُوا إنَّهُ عَيْنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: فَقَدْ جَحَدُوا مَا جَحَدَهُ فِرْعَوْنُ وَأَقَرُّوا بِمَا أَقَرَّ بِهِ فِرْعَوْنُ؛ إلَّا أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُسَمِّهِ إلَهًا وَلَمْ يَقُلْ هُوَ اللَّهُ. وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: هَذَا هُوَ اللَّهُ فَهُمْ مُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ؛ لَكِنْ جَعَلُوهُ هُوَ الصَّنْعَةَ. فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَطِّلُونَ وَفِي اعْتِقَادِهِمْ مُقِرُّونَ. وَفِرْعَوْنُ بِالْعَكْسِ: كَانَ مُنْكِرًا لِلصَّانِعِ فِي الظَّاهِرِ وَكَانَ فِي الْبَاطِنِ مُقِرًّا بِهِ؛ فَهُوَ أَكْفَرُ مِنْهُمْ؛ وَهُمْ أَضَلُّ مِنْهُ وَأَجْهَلُ؛ وَلِهَذَا يُعَظِّمُونَهُ جِدًّا. (الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ) قَوْلُ الْقَائِلِ: بَلْ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ الْمُتَّبَعُ؛ لَا مَا يَرَى الْمُنْحَرِفُ عَنْ مَنَاهِجِ الْإِسْلَامِ وَدِينِهِ الْمُتَحَيِّرِ فِي بَيْدَاءِ ضَلَالَتِهِ وَجَهْلِهِ. فَيُقَالُ: مَنْ الَّذِي قَالَ هَذَا الْحَقَّ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين؟ وَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَلَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَشَايِخِهِ إلَّا عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَشَايِخِ الدِّينِ: نَظِيرُ جنكيزخان فِي أَمْرِ الْحَرْبِ فَدِيَانَتُهُمْ تُشْبِهُ دَوْلَتَهُ وَلَعَلَّ إقْرَارَهُ بِالصَّانِعِ: خَيْرٌ مِنْ إقْرَارِهِمْ؛ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يُوجِبُ الْإِسْلَامَ فَيَكُونُ خَيْرًا مِنْ التَّتَارِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا مُحَقِّقُوهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ: فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ التَّهَوُّدُ وَالتَّنَصُّرُ وَالْإِسْلَامُ

    ج ٢ ص ١٩٣وَالْإِشْرَاكُ لَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَلْ الْمُحَقِّقُ عِنْدَهُمْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَمَعْلُومٌ أَنْ التَّتَارَ الْكُفَّارَ: خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَقْبَحِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْمُرْتَدُّ شَرٌّ مِنْ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَإِذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَاتَلَ الْمُرْتَدِّينَ بِمَنْعِهِمْ الزَّكَاةَ: فَقِتَالُ هَؤُلَاءِ أَوْلَى.

    ج ٢ ص ١٩٢
  9. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ الَّذِي سَمَّاهُ الشَّيْخُ الْمُحَقِّقُ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ الْغَوْثَ السَّابِعَ (فِي الشَّمْعَةِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَالَمَ بِمَجْمُوعِهِ حَدَقَةُ عَيْنِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَنَامُ إلَخْ. فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ. (أَحَدُهَا) أَنَّ تَسْمِيَةَ قَائِلِ مِثْلِ هَذَا الْمَقَالِ: مُحَقِّقًا وَعَالِمًا وَرَبَّانِيًّا عَيْنُ الضَّلَالَةِ وَالْغَوَايَةِ بَلْ هَذَا كَلَامٌ لَا تَقُولُهُ لَا الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى وَلَا عُبَّادُ الْأَوْثَانِ. فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ مَسْلُوبَ الْعَقْلِ: كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْهُ الْقَلَمَ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فَجُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ الَّذِي يَقُولُ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا} {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} إلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَقَالَ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} إلَى قَوْلِهِ: {الظَّالِمِينَ} وَقَالَ {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} .