القول الجامع في المصالح
٣ فقرات، ج ١٢ ص ٣٤٤
- ج ١٢ ص ٣٤٤
وَرُبَّمَا قَدَّمَ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ كَلَامًا بِخِلَافِ النُّصُوصِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ أَهْمَلَ مَصَالِحَ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهَا فَفَوَّتَ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ أَوْ وَقَعَ فِي مَحْظُورَاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ وَقَدْ يَكُونُ الشَّرْعُ وَرَدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ وَالشَّرْعُ لَا يُهْمِلُ الْمَصَالِحَ بَلْ قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا وَحُجَّةُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا.
-
وَالْقَوْلُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يُشْرَعُ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ غَالِبًا. وَهِيَ تُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْسَانِ وَالتَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ وَالرَّأْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ طَلَبُ الْحُسْنِ وَالْأَحْسَنُ كَالِاسْتِخْرَاجِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الشَّيْءِ حُسْنًا كَمَا أَنَّ الِاسْتِقْبَاحَ رُؤْيَتُهُ قَبِيحًا وَالْحُسْنُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ فَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْلَاحُ مُتَقَارِبَانِ وَالتَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ قَوْلٌ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحَسَنَ لَكِنَّ بَيْنَ هَذِهِ فُرُوقٌ. وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُهْمِلُ مَصْلَحَةً قَطُّ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَنَا عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ لَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ الْعَقْلُ مَصْلَحَةً وَإِنْ كَانَ
ج ١٢ ص ٣٤٥الشَّرْعُ لَمْ يَرِدْ بِهِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ لَهُ إمَّا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا النَّاظِرُ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْلَحَةِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مَصْلَحَةً؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْحَاصِلَةُ أَوْ الْغَالِبَةُ وَكَثِيرًا مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَرْجُوحَةٌ بِالْمَضَرَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: {قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} . وَكَثِيرٌ مِمَّا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْمُلْكِ حَسِبُوهُ مَنْفَعَةً أَوْ مَصْلَحَةً نَافِعًا وَحَقًّا وَصَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْخَارِجِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مَصْلَحَةً لَهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمَنْفَعَةً لَهُمْ {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} وَقَدْ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأَوْهُ حَسَنًا. فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَرَى حَسَنًا مَا هُوَ سَيِّئٌ كَانَ اسْتِحْسَانُهُ أَوْ اسْتِصْلَاحُهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الَّذِينَ جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا. فَإِنَّ بَابَ جَحُودِ الْحَقِّ وَمُعَانَدَتِهِ غَيْرُ بَابِ جَهْلِهِ وَالْعَمَى عَنْهُ وَالْكُفَّارُ فِيهِمْ هَذَا وَفِيهِمْ هَذَا وَكَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْقِسْمَانِ. فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا أَنَّهُمْ فِي بَابِ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ
ج ١٢ ص ٣٤٦يُخْطِئُونَ تَارَةً وَيَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ أُخْرَى فَكَذَلِكَ هُمْ فِي أَحْوَالِ الدِّيَانَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ قَدْ يَفْعَلُونَ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ظُلْمٌ وَقَدْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمِ هُوَ ظُلْمٌ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} فَتَارَةً يَجْهَلُ وَتَارَةً يَظْلِمُ: ذَلِكَ فِي قُوَّةِ عِلْمِهِ وَهَذَا فِي قُوَّةِ عَمَلِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ فَذَلِكَ يَقُولُ هَذَا جَائِزٌ أَوْ حَسَنٌ بِنَاءً عَلَى مَا رَآهُ وَهَذَا يَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهِ أَوْ اعْتِقَادِ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ كَمَا يَجِدُ نَفْعًا فِي مِثْلِ السَّمَاعِ الْمُحْدَثِ: سَمَاعِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ وَالْيَرَاعِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الشَّبَّابَةُ وَالصَّفَّارَةُ وَالْأَوْتَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهَذَا يَفْعَلُهُ لِمَا يَجِدُهُ مِنْ لَذَّتِهِ وَقَدْ يَفْعَلُهُ لِمَا يَجِدُهُ مِنْ مَنْفَعَةِ دِينِهِ بِزِيَادَةِ أَحْوَالِهِ الدِّينِيَّةِ كَمَا يَفْعَلُ مَعَ الْقُرْآنِ. وَهَذَا يَقُولُ هَذَا جَائِزٌ لِمَا يَرَى مِنْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمَقَالَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ. وَهَذَا يَقُولُ هُوَ حَقٌّ لِدَلَالَةِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَقُولُ يَجُوزُ وَيَجِبُ اعْتِقَادُهَا وَإِدْخَالُهَا فِي الدِّينِ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ سِيَاسَاتُ وُلَاةِ الْأُمُورِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعَاقِلَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ يُمَيِّزُ بِعَقْلِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَبَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّارِّ
- ج ١٢ ص ٣٤٧
وَالْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ. وَلَا يُمْكِنُ الْمُؤْمِنَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ إيمَانِهِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِمَا هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ وَجَاءَتْ بِمَا هُوَ النَّافِعُ وَالْمَصْلَحَةُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا الِاعْتِقَادَاتُ وَلِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ أَنَّ الْحَسَنَ أَوْ الْقَبِيحَ إذَا فُسِّرَ بِالنَّافِعِ وَالضَّارِّ وَالْمُلَائِمُ لِلْإِنْسَانِ وَالْمُنَافِي لَهُ وَاللَّذِيذُ وَالْأَلِيمُ - فَإِنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ هَذَا فِي الْأَفْعَالِ. وَكَذَلِكَ إذَا فُسِّرَ حُسْنُهُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ أَوْ كَمَالُ الْمَوْجُودِ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَوْلُهُ {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَّ أَكْمَلُ مِنْ الْمَيِّتِ فِي وُجُودِهِ وَأَنَّ الْعَالَمَ أَكْمَلُ مِنْ الْجَاهِلِ وَأَنَّ الصَّادِقَ أَكْمَلُ مِنْ الْكَاذِبِ - فَهَذَا أَيْضًا قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعَقْل هَلْ يَعْتَبِرُ الْمَنْفَعَةَ وَالْمَضَرَّةَ. وَأَنَّهُ هَلْ " بَابُ التَّحْسِينِ " وَاحِدٌ فِي الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ؟ فَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ فَثَابِتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَمِنْهُمَا مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ: الْأَوَّلُ فِي الْحَقِّ الْمَقْصُودِ وَالثَّانِي فِي الْحَقِّ الْمَوْجُودِ. (الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِحُبِّ الْقَلْبِ وَبُغْضِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ وَخِطَابِهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَ (الثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ وَإِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ وَخِطَابِهِ الْخَبَرِيِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ فَإِنَّ الْحَقَّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَوْجُودِ الثَّابِتِ وَالْبَاطِلِ بِمَعْنَى الْمَعْدُومِ الْمُنْتَفِي وَالْحَقِّ بِإِزَاءِ مَا يَنْبَغِي قَصْدُهُ وَطَلَبُهُ وَعَمَلُهُ وَهُوَ النَّافِعُ. وَالْبَاطِلُ بِإِزَاءِ مَا لَا يَنْبَغِي قَصْدُهُ وَلَا طَلَبُهُ وَلَا عَمَلُ