لفظ الشرع يطلق على ثلاثة معان
٣ فقرات، ج ١٢ ص ٤٣٠
- ج ١٢ ص ٤٣٠
كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا فِي الْبَاطِنِ وَلَمْ يُبَحْ ذَلِكَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ لَوْ حَكَمَ بِعَقْدِ أَوْ فَسْخِ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ وَبَيْعٍ فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حُكْمُهُ يُغَيَّرُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْعُقُودِ والفسوخ. فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْحَدِيثِ وَكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ.
-
وَأَيْضًا فَلَفْظُ " الشَّرْعِ " فِي هَذَا الزَّمَانِ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: شَرْعٌ مُنَزَّلٌ وَشَرْعٌ مُتَأَوَّلٌ وَشَرْعٌ مُبَدَّلٌ. " فَالْمُنَزَّلُ " الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهَذَا الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَ " الْمُتَأَوَّلُ " مَوَارِدُ الِاجْتِهَادِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ فَاتِّبَاعُ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ جَائِزٌ لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ حُجَّتَهُ هِيَ الْقَوِيَّةُ أَوْ لِمَنْ سَاغَ لَهُ تَقْلِيدُهُ وَلَا يَجِبُ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعُ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ إذَا رَأَى بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الْمَشَايِخِ الصَّالِحِينَ يَرَى أَنَّهُ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ قَدْ خَالَفَ
ج ١٢ ص ٤٣١الشَّرْعَ وَإِنَّمَا خَالَفَ مَا يَظُنُّهُ هُوَ الشَّرْعُ وَقَدْ يَكُونُ ظَنُّهُ خَطَأً فَيُثَابُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَقَدْ يَكُونُ الْآخَرُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا. وَأَمَّا " الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ " : فَمِثْلُ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْبَاطِلَةِ وَالتَّقْلِيدِ الْمُحَرَّمِ فَهَذَا يَحْرُمُ أَيْضًا. وَهَذَا مِنْ مَثَارِ النِّزَاعِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ قَدْ يُوجِبُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ اتِّبَاعَ مَذْهَبِهِ الْمُعَيَّنِ وَتَقْلِيدَ مَتْبُوعِهِ؛ وَالْتِزَامَ حُكْمِ حَاكِمِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَيَرَى خُرُوجَهُ عَنْ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ وَظُلْمٌ؛ بَلْ دَعْوَى ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ. كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي شَيْخِهِ وَمَتْبُوعِهِ وَهُوَ فِي هَذَا نَظِيرُ ذَلِكَ. وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ يُسَوِّغُ الْخُرُوجَ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لِمَا يَظُنُّهُ مُعَارِضًا لَهُمَا إمَّا لِمَا يُسَمِّيه هَذَا ذَوْقًا وَوَجْدًا وَمُكَاشَفَاتٍ وَمُخَاطَبَاتٍ وَإِمَّا لِمَا يُسَمِّيه هَذَا قِيَاسًا وَرَأْيًا وَعَقْلِيَّاتٍ وَقَوَاطِعَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ شُعَبِ النِّفَاقِ بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَطَاعَتُهُ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَا بِآرَاءِ الرِّجَالِ وَكُلُّ مَا عَارَضَهُ فَهُوَ خَطَأٌ وَضَلَالٌ.
- ج ١٢ ص ٤٣٢
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْمَجَالُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَوَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.