متى تكون المباحات مباحة

فقرتان، ج ١٢ ص ٤٥٠

  1. زِيَادَةٍ وَخَوَّفْته مِنْ عَاقِبَةِ الْإِصْرَارِ عَلَى الْبِدْعَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عُقُوبَةَ فَاعِلِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي نَسِيت أَكْثَرَهُ لِبُعْدِ عَهْدِي بِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَحَبَّةً فِي الشَّرْعِ لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا التَّقَرُّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ وَلَا اتِّخَاذُهَا طَرِيقًا إلَى اللَّهِ وَسَبَبًا لِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَحِبَّائِهِ وَلَا اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهَا أَوْ يُحِبُّ أَصْحَابَهَا كَذَلِكَ أَوْ أَنَّ اتِّخَاذَهَا يَزْدَادُ بِهِ الرَّجُلُ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَقُرْبَةً إلَيْهِ وَلَا أَنْ يَجْعَلَ شِعَارًا لِلتَّائِبِينَ الْمُرِيدِينَ وَجْهَ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ. فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ إنَّمَا تَكُونُ مُبَاحَةً إذَا جُعِلَتْ مُبَاحَاتٍ فَأَمَّا إذَا اُتُّخِذَتْ وَاجِبَاتٍ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ كَانَ ذَلِكَ دِينًا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ وَجَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ مَا لَيْسَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْهَا فَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ؛ وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ؛ وَلِهَذَا عَظُمَ ذَمُّ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ لِمَنْ شَرَّعَ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهِ وَلِمَنْ حَرَّمَ مَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمُبَاحَاتِ فَكَيْفَ بِالْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْمُحَرَّمَاتِ وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ لَا تُلْزِمُ بِالنَّذْرِ فَلَوْ نَذَرَ الرَّجُلُ فِعْلَ مُبَاحٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا نَذَرَ طَاعَةَ اللَّهِ أَنْ يُطِيعَهُ؛ بَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إذَا لَمْ يَفْعَلْ عِنْدَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَعِنْدَ آخَرِينَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَلَا

    ج ١٢ ص ٤٥١يَصِيرُ بِالنَّذْرِ مَا لَيْسَ بِطَاعَةِ وَلَا عِبَادَةٍ (طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ) .

    ج ١٢ ص ٤٥٠
  2. وَنَحْوِ ذَلِكَ الْعُهُودِ الَّتِي تُتَّخَذُ عَلَى النَّاسِ لِالْتِزَامِ طَرِيقَةِ شَيْخٍ مُعَيَّنٍ كَعُهُودِ أَهْلِ " الْفُتُوَّةِ " وَ " رُمَاةِ الْبُنْدُقِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَلْتَزِمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ إلَّا مَا كَانَ دِينًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي شَرْعِ اللَّهِ؛ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عِنْدَ الْحِنْثِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا أَمَرْت غَيْرَ وَاحِدٍ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا أُخِذَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَهْدِ بِالْتِزَامِ طَرِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ أَوْ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْبِدَعِ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ إذْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَوْ يَقُولَ عَنْ عَمَلٍ: إنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَبِرٌّ وَطَرِيقٌ إلَى اللَّهِ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَذَلِكَ يُعْلَمُ بِالْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَمَا عُلِمَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ وَلَا قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَقَدَ أَوْ يُقَالَ إنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ. فَكَذَلِكَ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ وَلَا التَّعَبُّدُ بِهِ وَلَا اتِّخَاذُهُ دِينًا وَلَا عَمَلُهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ مِنْ الدِّينِ لَا بِاعْتِقَادِ وَقَوْلٍ وَلَا بِإِرَادَةِ وَعَمَلٍ. وَبِإِهْمَالِ هَذَا الْأَصْلِ غَلِطَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ يَرَوْنَ الشَّيْءَ