أولياء الله على صنفين
فقرتان، ج ١٢ ص ٥٤٩
- ج ١٢ ص ٥٤٩
أَلِيمٌ} فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ تَرْكِ الْإِحْسَانِ الَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ يُحْسَبُ خَارِجًا عَنْ الطَّرِيقِ خَرَجَ عَنْهُ جُمْهُورُ أَهْلِهِ. وَ " أَوْلِيَاءُ اللَّهِ " عَلَى صِنْفَيْنِ: مُقَرَّبِينَ سَابِقِينَ وَأَصْحَابِ يَمِينٍ مُقْتَصِدِينَ. كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ. وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ} ". ثُمَّ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ تَارِكَ الْعَفْوِ إنَّمَا يَذُمُّونَهُ لِأَهْوَائِهِمْ لِكَوْنِ الظَّالِمِ صَدِيقَ أَحَدِهِمْ أَوْ وَرِيثَهُ أَوْ قَرِينَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ الْعَدْلَ فِي الصُّلْحِ كَمَا أَوْجَبَهُ فِي الْحُكْمِ. فَقَالَ تَعَالَى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . وَقَيَّدَ الْإِصْلَاحَ الَّذِي يُثِيبُ عَلَيْهِ بِالْإِخْلَاصِ فَقَالَ
ج ١٢ ص ٥٥٠تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} . إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقْصِدُونَ الْإِصْلَاحَ: إمَّا لِسُمْعَةِ وَإِمَّا لِرِيَاءِ. وَمِنْ الْعَدْلِ أَنْ يُمَكَّنَ الْمَظْلُومُ مِنْ الِانْتِصَافِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّفَاعَةُ إلَى الْمَظْلُومِ فِي الْعَفْوِ وَيُصَالِحُهُ الظَّالِمُ وَتَرْغِيبُهُ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ حُقُوقَ الْعِبَادِ الَّتِي فِيهَا وِزْرُ الظَّالِمِ نَدَبَ فِيهَا إلَى الْعَفْوِ. كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} . وَقَوْلُهُ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: {مَا رُفِعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ فِي الْقِصَاصِ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ} " وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ طَلَبِ الْعَفْوِ مِنْ الْمَظْلُومِ أَنَّ الظَّالِمَ يَقُومُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَلَا يَضَعُ نَعْلَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَلْتَزِمُهُ بَعْضُ النَّاسِ. وَإِنَّمَا شَرْطُهُ التَّمْكِينُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَقُّ. فَإِذَا أَمْكَنَ الْمَظْلُومُ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. ثُمَّ الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ عَفَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَى. وَلِلْمَظْلُومِ أَنْ يَهْجُرَهُ ثَلَاثًا وَأَمَّا بَعْدَ الثَّلَاثِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْجُرَهُ عَلَى ظُلْمِهِ إيَّاهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ
ج ١٢ ص ٥٥١يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ} . وَأَمَّا إذَا كَانَ الذَّنْبُ لِحَقِّ اللَّهِ كَالْكَذِبِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ إضَاعَةِ الصَّلَاةِ بِالتَّفْرِيطِ وَوَاجِبَاتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّوْبَةِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ التَّوْبَةِ إظْهَارُ الْإِصْلَاحِ فِي الْعَمَلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. وَإِذَا كَانَ لَهُمْ شَيْخٌ مُطَاعٌ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ الْعَاصِيَ بِحَسَبِ ذَنْبِهِ تَعْزِيرًا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمِثْلِهِ مِثْلِ هَجْرِهِ مُدَّةً كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّلَاثَةَ الْمُخَلَّفِينَ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ: يَسُوسُونَ النَّاسَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَفَرَّقَتْ الْأُمُورُ فَصَارَ أُمَرَاءُ الْحَرْبِ يَسُوسُونَ النَّاسَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ الظَّاهِرِ وَشُيُوخِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ يَسُوسُونَ النَّاسَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَهَؤُلَاءِ أُولُو أَمْرٍ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ الَّتِي هُمْ أُولُو أَمْرِهَا. وَهُوَ كَذَلِكَ فَسَّرَ أُولُو الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} بِأُمَرَاءِ الْحَرْبِ: مِنْ الْمُلُوكِ وَنُوَّابِهِمْ وَبِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ دِينَهُمْ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنَّ قِوَامَ الدِّينِ بِالْكِتَابِ وَالْحَدِيدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
- ج ١٢ ص ٥٥٢
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} . وَإِذَا كَانَ وُلَاةُ الْحَرْبِ عَاجِزِينَ وَمُفَرِّطِينَ عَنْ تَقْوِيمِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الطَّرِيقِ كَانَ تَقْوِيمُهُمْ عَلَى رُؤَسَائِهِمْ وَكَانَ لَهُمْ مِنْ تَعْزِيرِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُمْ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} ". وَقَدْ يَكُونُ تَعْزِيرُهُ بِنَفْيِهِ عَنْ وَطَنِهِ مُدَّةً كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَنْفِي مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ. وَكَمَا نُفِيَ نَصْرُ بْنُ حَجَّاجٍ إلَى الْبَصْرَةِ لِخَوْفِ فِتْنَةِ النِّسَاءِ بِهِ وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّفْيِ فِي الزِّنَا وَنَفْيِ الْمُخَنَّثِ وَأَمْرِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لِلْمُسِيءِ بِالسَّفَرِ هَذَا أَصْلُهُ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ بِبَيَانِ الذُّنُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهَا وَشُرُوطِ التَّوْبَةِ وَهُوَ حَالٌ مُسْتَصْحِبٌ لِلْعَبْدِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ إلَى آخِرِ عُمْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} الْآيَةَ. وَإِذَا تَابَ الْعَبْدُ وَأَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً لِلتَّطَهُّرِ مِنْ ذَنْبِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَشْرُوعًا. قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
ج ١٢ ص ٥٥٣عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. وَالْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ} " وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ} {وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِك. فَهُوَ خَيْرٌ لَك} . لَكِنْ لَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ بِصَدَقَةِ. وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَا بِإِخْرَاجِ ثِيَابِهِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ مُطَالَبَتَهُ بِالتَّوْبَةِ أَنْ يُؤْكَلَ مَالُهُ لَا سِيَّمَا إذَا أَعْنَتَ فَجُعِلَ لَهُ ذَنْبٌ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّ هَذَا يَبْقَى كَذِبًا وَظُلْمًا وَأَكْلًا لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا يُخْرِجُهُ صَدَقَةً مَصْرُوفًا فِي طَعَامٍ يَأْكُلُونَهُ؛ بَلْ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ بِوَضْعِهِ حَيْثُ يَكُونُ أَصْلَحَ وَأَطْوَعَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ أَحَقُّ النَّاسِ بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ فَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَ مِنْ جُمْلَةِ التَّوْبَةِ صَنْعَةَ طَعَامٍ وَدَعْوَةً فَهَذَا بِدْعَةٌ. فَمَا زَالَ النَّاسُ يَتُوبُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ.