حكم من اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة
فقرتان، ج ١٢ ص ٥٩٥
- ج ١٢ ص ٥٩٥
النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ وَأَنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَوْ كَانَ مَصْلَحَةً لَشَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وَإِذَا وَجَدَ فِيهِ مَنْفَعَةً لِقَلْبِهِ وَلَمْ يَجِدْ شَاهِدَ ذَلِكَ لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُّنَّةِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التستري: كُلُّ وَجْدٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الداراني: إنَّهُ لَتَلُمُّ بِقَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلَا أَقْبَلُهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَيْضًا: لَيْسَ لِمَنْ أُلْهِمَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَجِدَ فِيهِ أَثَرًا فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ أَثَرًا كَانَ نُورًا عَلَى نُورٍ. وَقَالَ الْجُنَيْد بْنُ مُحَمَّدٍ: عِلْمُنَا هَذَا مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَمَنْ لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَكْتُبْ الْحَدِيثَ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي عِلْمِنَا. وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي الْكِتَابِ {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} قَالَ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: " الْمُكَاءُ " كَالصَّفِيرِ وَنَحْوِهِ مِنْ التَّصْوِيتِ مِثْلِ الْغِنَاءِ. وَ " التَّصْدِيَةِ " : التَّصْفِيقُ بِالْيَدِ. فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ التَّصْدِيَةَ
ج ١٢ ص ٥٩٦وَالْغِنَاءَ لَهُمْ صَلَاةً وَعِبَادَةً وَقُرْبَةً يعتاضون بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ: فَصَلَاتُهُمْ وَعِبَادَتُهُمْ الْقُرْآنُ وَاسْتِمَاعُهُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَذِكْرُ اللَّهِ وَدُعَاؤُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَمَنْ اتَّخَذَ الْغِنَاءَ وَالتَّصْفِيقَ عِبَادَةً وَقُرْبَةً فَقَدْ ضَاهَى الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ وَشَابَهَهُمْ فِيمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَإِنْ كَانَ يَفْعَلُهُ فِي بُيُوتِ اللَّهِ فَقَدْ زَادَ فِي مُشَابَهَتِهِ أَكْبَرَ وَأَكْبَرَ وَاشْتَغَلَ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ فَقَدْ عَظُمَتْ مُشَابَهَتُهُ لَهُمْ. وَصَارَ لَهُ كِفْلٌ عَظِيمٌ مِنْ الذَّمِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} لَكِنْ قَدْ يُغْفَرُ لَهُ ذَلِكَ لِاجْتِهَادِهِ أَوْ لِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فِيمَا يُفَرِّقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. لَكِنْ مُفَارَقَتُهُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا خَارِجًا عَنْ الشَّرِيعَةِ دَاخِلًا فِي الْبِدْعَةِ الَّتِي ضَاهَى بِهَا الْمُشْرِكِينَ فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ لِهَذَا وَيُفَرِّقَ بَيْنَ سَمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَسَمَاعِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ.
- ج ١٢ ص ٥٩٧
وَيَعْلَمَ أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ الْمُحْدَثَ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَمَاعِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى سَمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ غَلِطَ فِيهِ قَوْمٌ مِنْ صَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَهُمْ وَصَلَاحَهُمْ لِمَا وَقَعَ مِنْ خَطَئِهِمْ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ} " وَهَذَا كَمَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ قَاتَلُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا بِتَأْوِيلِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُمْ وَقَدْ قَالَ فِيهِمْ: مَنْ قَصَدَ اللَّهَ فَلَهُ الْجَنَّةُ. وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ اسْتَحَلُّوا بَعْضَ الْأَشْرِبَةِ بِتَأْوِيلِ - وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَحْرِيمُ مَا اسْتَحَلُّوهُ - وَإِنْ كَانَ خَطَؤُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ. وَاَلَّذِينَ حَضَرُوا هَذَا السَّمَاعَ مِنْ الْمَشَايِخِ الصَّالِحِينَ شَرَطُوا لَهُ شُرُوطًا لَا تُوجَدُ إلَّا نَادِرًا فَعَامَّةُ هَذِهِ السَّمَّاعَاتِ خَارِجَةٌ عَنْ إجْمَاعِ الْمَشَايِخِ وَمَعَ هَذَا فَأَخْطَئُوا - وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ فِيمَا خَرَجُوا بِهِ عَنْ السُّنَّةِ - وَإِنْ كَانُوا مَعْذُورِينَ. وَالسَّبَبُ الَّذِي أَخْطَئُوا فِيهِ أَوْقَعَ أُمَمًا كَثِيرَةً فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي نَهَوْا