كلام الله وسائر صفاته ليست ككلام وصفات المخلوقين
فقرتان، ج ١٣ ص ٩٦
- ج ١٣ ص ٩٦
مُشْكِلَةٌ كَثُرَ فِيهَا غَلَطُ النَّاسِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالِالْتِبَاسِ.
-
وَالْجَوَابُ الْحَقُّ: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُمَاثِلُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ كَمَا لَا يُمَاثِلُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُدُوثِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: لِلَّهِ عِلْمٌ وَلَنَا عِلْمٌ أَوْ لَهُ قُدْرَةٌ وَلَنَا قُدْرَةٌ أَوْ لَهُ كَلَامٌ وَلَنَا كَلَامٌ أَوْ تَكَلَّمَ بِصَوْتِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَقُلْنَا صِفَةُ الْخَالِقِ وَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ اشْتَرَكَتَا فِي الْحَقِيقَةِ - فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَتَهُمَا وَاحِدَةٌ بِالْعَيْنِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مُمَاثِلَةٌ لِهَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتَا فِي الصِّفَاتِ الْعَرَضِيَّةِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - وَقَدْ بَيَّنَ فَسَادَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى " الْأَرْبَعِينَ " للرازي وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَهَذَا أَيْضًا مَنْ أَبْطَلَ الْبَاطِلِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةُ ذَاتِ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ مُمَاثِلَةً لِحَقِيقَةِ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ فَهَذَا صَحِيحٌ كَمَا أَنَّهُ إذَا قِيلَ: إنَّهُ مَوْجُودٌ أَوْ إنَّ لَهُ ذَاتًا فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَالذَّاتِ لَكِنَّ هَذَا الْمُشْتَرِكَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ اشْتَرَكَ فِيهِ مَخْلُوقَانِ كَاشْتِرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي كُلِّيَّاتِهَا بِخِلَافِ اشْتِرَاكِ الْأَجْزَاءِ فِي الْكُلِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ قِسْمَةِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَقِسْمَةِ الْحَيَوَانِ إلَى
ج ١٣ ص ٩٧نَاطِقٍ وَغَيْرِ نَاطِقٍ وَقِسْمَةِ الْإِنْسَانِ إلَى مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَقِسْمَةِ الِاسْمِ إلَى مُعْرَبٍ وَمَبْنِيٍّ وَقِسْمَةِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَقِسْمَةِ الْعَقَارِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَقِسْمَةِ الْكَلَامِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ فَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا اشْتَرَكَتْ الْأَقْسَامُ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُونَ مُشْتَرِكِينَ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ صِفَةٌ لِلَّهِ يُمَاثِلُ بِهَا صِفَةَ الْمَخْلُوقِ بَلْ كُلُّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ تَعَالَى فَهُوَ مُخَالِفٌ بِالْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ؛ لِمَا يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ أَعْظَمَ مِمَّا يُخَالِفُ الْمَخْلُوقُ الْمَخْلُوقَ وَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ مُخَالِفًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ فَمُخَالَفَةُ الْخَالِقِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ فِي الْحَقِيقَةِ أَعْظَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَيِّ مَخْلُوقٍ فُرِضَ لِأَيِّ مَخْلُوقٍ فُرِضَ وَلَكِنَّ عِلْمَهُ ثَبَتَ لَهُ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ وَلِقُدْرَتِهِ حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ وَلِكَلَامِهِ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ كَمَا ثَبَتَ لِذَاتِهِ حَقِيقَةُ الذَّاتِيَّةِ وَلِوُجُودِهِ حَقِيقَةُ الْوُجُودِ وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنَّ تَثْبُتَ لَهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ. فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: عِلْمُهُ يُشَارِكُ عِلْمَ الْمَخْلُوقِ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَيْسَ مَا يُسْمَعُ مِنْ الْعِبَادِ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ مُشَابِهًا وَلَا مُمَاثِلًا لِمَا سَمِعَهُ مُوسَى مِنْ صَوْتِهِ إلَّا كَمَا يُشْبِهُ وَيُمَاثِلُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَهَذَا فِي نَفْسِ تَكَلُّمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَسَائِر أَئِمَّةِ السُّنَّةِ كَلَامُهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِصَوْتِ نَفْسِهِ وَكَلَّمَ مُوسَى بِصَوْتِ نَفْسِهِ الَّذِي لَا يُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ.