الحرف والكلمة في لغة العرب، وفي اصطلاح المتكلمين

فقرة واحدة، ج ١٣ ص ١٠٥

  1. وَالْمُرَادُ بِهِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ. فَكَثِيرٌ مِنْ النُّحَاةِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ؛ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّ اصْطِلَاحَهُمْ فِي مُسَمَّى الْكَلِمَةِ يَنْقَسِمُ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ هُوَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَالْفَاضِلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: وَكِلْمَةُ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ وَيَقُولُونَ: الْعَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ الْكَلِمَةَ فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ وَتَسْتَعْمِلُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَهَذَا غَلَطٌ لَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَفْظُ الْكَلِمَةِ إلَّا لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ. وَمِثْلُ هَذَا اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ مَا لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ أَوْ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْقَدِيمُ فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَزَلِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} وَقَالَ: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إفْكٌ قَدِيمٌ} وقَوْله تَعَالَى {قَالُوا تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} وَقَالَ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} وَتَخْصِيصُ الْقَدِيمِ بِالْأَوَّلِ عُرْفٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْقِدَمِ فِي لُغَةِ الرَّبِّ؛ وَلِهَذَا كَانَ لَفْظُ الْمُحْدَثِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ بِإِزَاءِ الْقَدِيمِ قَالَ تَعَالَى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي نَزَلَ قَبْلَهُ لَيْسَ بِمُحْدَثِ بَلْ مُتَقَدِّمٌ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ

    ج ١٣ ص ١٠٦وَنَظِيرَ هَذَا لَفْظُ " الْقَضَاء " فَإِنَّهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ الْمُرَادُ بِهِ إتْمَامُ الْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} ثُمَّ اصْطَلَحَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَجَعَلُوا لَفْظَ " الْقَضَاءِ " مُخْتَصًّا بِفِعْلِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَلَفْظَ " الْأَدَاءِ " مُخْتَصًّا بِمَا يُفْعَلُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ثُمَّ يَقُولُونَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْقَضَاءِ فِي الْأَدَاءِ فَيَجْعَلُونَ اللُّغَةَ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مِنْ النَّادِرِ. وَلِهَذَا يَتَنَازَعُونَ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا} " وَفِي لَفْظٍ: " {فَأَتِمُّوا} " فَيَظُنُّونَ أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ خِلَافًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ قَوْلُهُ: " فَاقْضُوا " كَقَوْلِهِ: " فَأَتِمُّوا " لَمْ يُرِدْ بِأَحَدِهِمَا الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ بَلْ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لَكِنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ: وَقْتٌ عَامٌّ وَوَقْتٌ خَاصٌّ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ: كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي إذَا صَلَّيَا بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَالذِّكْرِ فَإِنَّمَا صَلَّيَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ وَقْتًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا.

    ج ١٣ ص ١٠٥