اختلاف الناس على ثلاثة أقوال في حدوث الأجسام والأفلاك

فقرتان، ج ١٣ ص ١٤٣

  1. بَلْ هَذَا الْمَقَامُ حَارَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْهَامِ وَكَثِيرٌ فِيهِ النِّزَاعُ وَالْخِصَامُ؛ وَلِهَذَا صَارَ الْمُسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِمْ: مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا أَثْبَتُوا امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ طُرُقًا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهَذَا الْأَصْلُ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ " . فَقِيلَ: مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَبِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُطْلَقًا وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الكَرَّامِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: بَلْ يَجُوزُ دَوَامُ الْحَوَادِثِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كُلُّ مَا قَارَنَ حَادِثًا بَعْدَ حَادِثٍ لَا إلَى أَوَّلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَرُبَّمَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَالْأَفْلَاكِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ مِثْلِ ثامسطيوس وَالْإِسْكَنْدَرِ الأفريدوسي وبرقلس وَالْفَارَابِيّ وَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِمْ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَرِسْطُو فَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ

    ج ١٣ ص ١٤٤بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ. ثُمَّ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُتَنَازِعُونَ فِي قِيَامِ الصِّفَاتِ وَالْحَوَادِثِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لَهُمْ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَسَاطِينِ الْقُدَمَاءِ وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ صَاحِبِ الْمُعْتَبَرِ وَغَيْرِهِ كَمَا بَسَطْت أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقِيلَ: بَلْ إنْ كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَوَادِثِ مُمْكِنًا بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَفْعُولًا وَمَعْلُولًا وَمَرْبُوبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا. وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَأَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ فَهُوَ حَادِثٌ أَوْ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَهُوَ مَعْلُولٌ أَوْ مَفْعُول أَوْ مُبْتَدَعٌ أَوْ مَصْنُوعٌ فَهُوَ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَفْعُولًا مُسْتَلْزِمًا لِلْحَوَادِثِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا؛ فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْمَعْلُولَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مُوجِبٌ قَدِيمٌ بِذَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعَهُ أَزَلِيًّا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ. فَإِنَّ كَوْنَهُ مَفْعُولًا يُنَافِي كَوْنَهُ قَدِيمًا بَلْ قِدَمُهُ يُنَافِي كَوْنَهُ مُمْكِنًا فَلَا يَكُونُ مُمْكِنًا إلَّا مَا كَانَ مُحْدَثًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين وَهَذَا قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ قَاطِبَةً كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ مُمْكِنًا قَدِيمًا بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ خَالَفُوا فِي

    ج ١٣ ص ١٤٥ذَلِكَ الْفَلَاسِفَةَ الْقُدَمَاءَ قَاطِبَةً كَمَا خَالَفُوا فِي ذَلِكَ جَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءِ مِنْ سَائِر الطَّوَائِفِ؛ وَلِهَذَا تَنَاقَضُوا فِي أَحْكَامِ الْمُمْكِنِ وَوَرَدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْت ذَلِكَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ. وَمَا يُدَعَّى مِنْ أَنَّ الْمَعْلُولَ قَدْ يُقَارِنُ عِلَّتَهُ إنَّمَا يُعْقَلُ فِيمَا كَانَ شَرْطًا لَا فَاعِلًا كَقَوْلِهِمْ: حَرَّكْت يَدِي فَتَحَرَّكَ الْخَاتَمُ؛ فَإِنَّ حَرَكَةَ الْيَدِ شَرْطٌ فِي تَحْرِيكِ الْخَاتَمِ وَالشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قَدْ يَتَلَازَمَانِ وَلَيْسَتْ فَاعِلَةً مُبْدِعَةً لَهَا وَكَذَلِكَ الشُّعَاعُ مَعَ النَّارِ وَالشَّمْسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا مَا يَكُونُ فَاعِلًا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَارِنَهُ مَفْعُولُهُ فِي الزَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ فَاعِلًا بِالْإِرَادَةِ أَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِغَيْرِ إرَادَةٍ وَسَوَاءً سُمِّيَ فَاعِلًا بِالذَّاتِ أَوْ بِالطَّبْعِ أَوْ مَا قُدِّرَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لِفَاعِلِهِ فِي الزَّمَانِ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين. وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ لَمْ يَقُولُوا إنَّ الْفَلَكَ مَفْعُولٌ لِلرَّبِّ وَلَا إنَّهُ مَعْلُولٌ لِعِلَّةِ فَاعِلِيَّةٍ أَبْدَعَتْ ذَاتَه؛ بَلْ زَعَمُوا أَنَّهُ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّ لَهُ عِلَّةً غائية يَتَشَبَّهُ بِهَا نَحْوُ حَرَكَةِ الْمَعْشُوقِ يَجِبُ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَالْفَلَكُ عِنْدَهُمْ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَلِهَذَا قَالُوا: " الْفَلْسَفَةُ " هِيَ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَقَوْلُهُمْ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ بِاَللَّهِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي قَوْلِ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ وَفِيهِمْ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ

    ج ١٣ ص ١٤٣
  2. مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ - فَلَمْ يَتَنَاقَضُوا فِي إثْبَاتِ مُمْكِنٍ قَدِيمٍ كَتَنَاقُضِ مُتَأَخِّرِيهِمْ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مُسْتَقِرَّةً فِي فِطَرِ الْعُقَلَاءِ وَكَانَ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْخَبَرِ بِأَنَّ السَّمَوَاتِ مَخْلُوقَةٌ أَوْ مَصْنُوعَةٌ أَوْ مُفَعْوِلَةٌ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا حَادِثَةٌ، لَا يَخْطُرُ بِالْفِطَرِ السَّلِيمَةِ إمْكَانُ كَوْنِهَا مُفَعْوِلَةً لِفَاعِلِ فَعَلَهَا مَعَ كَوْنِهَا قَدِيمَةً لَمْ تَزَلْ مَعَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَدَّعِ هَذَا إلَّا هَذِهِ الشِّرْذِمَةُ الْقَلِيلَةُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ. وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ مَا اسْتَلْزَمَ الْحَوَادِثَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهُ فِي الْأَزَلِ؛ فَإِنَّ الْحَوَادِثَ الْمُتَعَاقِبَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَا يَكُونُ مَجْمُوعُهَا فِي الْأَزَلِ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا أَزَلِيًّا بَلْ الْأَزَلِيُّ هُوَ دَوَامُهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَالْمُوجِبُ بِذَاتِهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِمَعْلُولِهِ فِي الْأَزَلِ لَا يَكُونُ مَعْلُولُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ سَوَاءً كَانَ صَادِرًا عَنْهُ بِوَاسِطَةِ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَإِنَّ مَا كَانَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يَكُونُ مُتَعَاقِبًا حَادِثًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا مُقَارِنًا لِعِلَّتِهِ فِي الْأَزَلِ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ إنَّ الْمُقَارِنَ لِذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ بِذَاتِهِ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ فِي الْأَزَلِ مُوجِبًا بِذَاتِهِ وَلَا عِلَّةً سَابِقَةً تَامَّةً لِشَيْءِ مِنْ الْعَالَمِ فَلَا يَكُونُ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ شَيْءٌ لَكِنْ فَاعِلِيَّتُهُ لِلْمَفْعُولَاتِ تَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكُلُّ مَفْعُولٍ يُوجَدُ عِنْدَهُ وُجُودُ كَمَالِ فَاعِلِيَّتِهِ

    ج ١٣ ص ١٤٧إذْ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ الْمُسْتَلْزِمُ لِجَمِيعِ شُرُوطِ التَّأْثِيرِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أَثَرُهُ؛ إذْ لَوْ تَخَلَّفَ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا تَامًّا فَوُجُودُ الْأَثَرِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ وَوُجُودُ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْأَثَرِ فَلَيْسَ فِي الْأَزَلِ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ فَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ وَالْأَزَلُ لَيْسَ هُوَ حَدًّا مَحْدُودًا وَلَا وَقْتًا مُعَيَّنًا. بَلْ كُلُّ مَا يُقَدِّرُهُ الْعَقْلُ مِنْ الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا فَالْأَزَلُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ قَبْلَ مَا قَدَّرَهُ فَالْأَزَلُ لَا أَوَّلَ لَهُ كَمَا أَنَّ الْأَبَدَ لَا آخِرَ لَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: {أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ} فَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ فِي الْأَزَلِ لِشَيْءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لَهُ دَائِمًا وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ مَفْعُولًا لَهُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا فِي الصِّفَةِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: الذَّاتُ مُقْتَضٍ تَامٌّ لِلصِّفَةِ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الذَّاتَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّفَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ الذَّاتَ مُبْدِعَةٌ لِلصِّفَةِ فَإِنَّهُ إذَا تُصُوِّرَ مَعْنَى الْمُبْدِعِ امْتَنَعَ فِي الْمُقَارِنِ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ سَوَاءً سُمِّيَ عِلَّةً فَاعِلَةً أَوْ خَالِقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَامْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ بِالْأَثَرِ شَيْءٌ مِنْ الْحَوَادِثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ يَحْدُثُ لَا يَحْدُثُ إلَّا إذَا وُجِدَ مُؤَثِّرُهُ التَّامُّ عِنْدَ حُدُوثِهِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتُ الْمُؤَثِّرِ مَوْجُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ كَمَالِ وُجُودِ شُرُوطِ التَّأْثِيرِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَثَرِ

    ج ١٣ ص ١٤٨وَإِلَّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَتَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ بِدُونِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ. وَكُلُّ هَذَا مُمْتَنِعٌ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا لِشَيْءِ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْأَزَلِ فِيمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُحَالٌ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَوَادِثِ قَدِيمًا. وَإِذَا قِيلَ ذَاتُهُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْحَادِثِ الثَّانِي بِشَرْطِ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ. قِيلَ: فَلَيْسَ هُوَ مُقْتَضِيًا لِشَيْءِ وَاحِدٍ دَائِمًا فَلَا يَكُونُ مَعَهُ قَدِيمٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ. وَقِيلَ أَيْضًا: هَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَتْ لِذَاتِهِ أَحْوَالٌ مُتَعَاقِبَةٌ تَخْتَلِفُ الْمَفْعُولَاتُ لِأَجْلِهَا فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُتَعَاقِبَةِ؛ بَلْ حَالُهَا عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ كَحَالِهَا قَبْلَهُ كَانَ امْتِنَاعُ فِعْلِهِ لِلْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ الْبَائِنَةِ أَعْظَمَ مِنْ امْتِنَاعِ فِعْلِهِ لِحَادِثِ مُعَيَّنٍ فَإِذَا كَانَ الثَّانِي مُمْتَنِعًا عِنْدَهُمْ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ وَمَتَى كَانَ لِلذَّاتِ أَحْوَالٌ مُتَعَاقِبَةٌ تَقُومُ بِهَا بَطَلَتْ كُلُّ حُجَّةٍ لَهُمْ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ وَامْتَنَعَ أَيْضًا قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ إذَا كَانَ الْمَفْعُولُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ وَالْفِعْلُ الْحَادِثُ لَا يَكُونُ مَفْعُولُهُ إلَّا حَادِثًا. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

    ج ١٣ ص ١٤٦