القرآن يرد عليهم
٦ فقرات، ج ٢ ص ٢٥٧
- ج ٢ ص ٢٥٧
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ إلَهٌ مَعْبُودٌ؛ فَأَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ وَاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ. وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ: أَنَّ الطَّوَاغِيتَ جَمِيعَهَا فِيهَا اللَّهُ أَوْ هِيَ اللَّهُ وَمَنْ عَبَدَهَا فَمَا عَبَدَ إلَّا اللَّهَ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْآيَتَيْنِ. فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَةِ الرَّبِّ الْخَالِقِ لِهَذِهِ الْآيَاتِ؛ وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ الْمَلَاعِينِ: هُوَ عَيْنُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَنَهَى - سُبْحَانَهُ - أَنْ يَجْعَلَ النَّاسُ لَهُ أَنْدَادًا وَعِنْدَهُمْ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فَإِنَّ الْأَنْدَادَ هِيَ عَيْنُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ نِدًّا لِنَفْسِهِ؟ وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الْأَنْدَادَ فَمَا عَبَدُوا سِوَاهُ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةَ: احْتَجُّوا بِتَسْمِيَةِ الْمُشْرِكِينَ لِمَا عَبَدُوهُ إلَهًا كَمَا قَالُوا {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا} وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ لَمَّا سَمَّوْهُمْ آلِهَةً كَانَتْ تَسْمِيَةُ الْمُشْرِكِينَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِلَهِيَّةَ ثَابِتَةٌ لَهُمْ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ: قَدْ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ هُودٍ فِي مُخَاطَبَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِهِ: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} الْآيَةَ هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِهِ: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ إيَّاهَا آلِهَةً
ج ٢ ص ٢٥٨وَمَعْبُودِينَ تَسْمِيَةٌ ابْتَدَعُوهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ حُجَّةٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَالْحُكْمُ لَيْسَ إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَقَدْ أَمَرَ هُوَ - سُبْحَانَهُ - أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا إيَّاهُ فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ مُشْرِكِينَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ؟ وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهُمْ؟ وَأَمَرَ الْخَلْقَ أَنْ لَا يَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ دُونَ هَذِهِ الْأَوْثَانِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُشْرِكُونَ آلِهَةً وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ عَابِدُو الْأَوْثَانِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ. ثُمَّ إنَّ الْمُشْرِكِينَ أَنْكَرُوا عَلَى الرَّسُولِ حَيْثُ جَاءَهُمْ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَذْرُوَا مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ فَإِذَا كَانُوا هُمْ مَا زَالُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ كَمَا تَزْعُمُهُ الْمَلَاحِدَةُ: فَلَمْ يُدْعَوْا إلَى تَرْكِ مَا يَعْبُدُهُ آبَاؤُهُمْ؛ بَلْ جَاءَهُمْ - لِيُعْبَدَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَعْبُدُهُ آبَاؤُهُمْ - هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. وَكَذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ عَنْهُ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} . وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: هِيَ الْأَوْثَانُ الْعِظَامُ الْكِبَارُ الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْتَابُونَهَا مِنْ أَمْصَارِهِمْ؛ فَاللَّاتُ: كَانَتْ حَذْوَ قديد بِالسَّاحِلِ
ج ٢ ص ٢٥٩لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعُزَّى: كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ عَرَفَاتٍ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنَاةُ: كَانَتْ بِالطَّائِفِ لِثَقِيفِ وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ أَمْصَارُ أَرْضِ الْحِجَازِ. أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُشْرِكُونَ أَسْمَاءً ابْتَدَعُوهَا: لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَهُمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ أَسْمَاءً لَا مُسَمَّيَاتِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُسَمَّى مِنْ الْأُلُوهِيَّةِ وَلَا الْعِزَّةِ وَلَا التَّقْدِيرِ شَيْءٌ وَلَمَّا يُنَزِّلْ اللَّهُ سُلْطَانًا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ؛ إنْ يَتَّبِعْ الْمُشْرِكُونَ إلَّا ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا؛ فِي أَنَّهَا آلِهَةٌ تَنْفَعُ وَتَضُرُّ وَيَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِهِمْ. وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ أَنَّهُمْ إذَا عَبَدُوا أَهْوَاءَهُمْ فَقَدْ عَبَدُوا اللَّهَ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ إمَامِ الْأَئِمَّةِ وَخَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَخَيْرِ الْبَرِيَّةِ - بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} {يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} - إلَى قَوْلِهِ - {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} فَنَهَاهُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَ الْأَوْثَانَ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا. وَعَلَى زَعْمِ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدِينَ - فَمَا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ - فَيَكُونُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وَهُوَ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ عِبَادَتِهِ وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ. وَهَكَذَا قَالَ أَحْذَقُ طَوَاغِيتِهِمْ الْفَاجِرُ التلمساني فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
-
يَا عَاذِلِي أَنْتَ تَنْهَانِي وَتَأْمُرُنِي … وَالْوَجْدُ أَصْدَقُ نهاء وَأَمَّارِ
ج ٢ ص ٢٦٠فَإِنْ أُطِعْك وَأَعْصِ الْوَجْدَ عُدْت عَمًى … عَنْ الْعِيَانِ إلَى أَوْهَامِ أَخْبَارِ
وَعَيْنُ مَا أَنْتَ تَدْعُونِي إلَيْهِ إذَا … حَقَّقْته تَرَهُ الْمَنْهِيَّ يَا جَارِي
وَقَدّ قَالَ أَيْضًا إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ مُجَلَّى إلَهِيٌّ يَنْبَغِي تَعْظِيمُهُ وَمَنْ عَبَدَهُ فَمَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ وَلَيْسَ الشَّيْطَانُ غَيْرَ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَعْصِيَهُ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} إلَى قَوْلِهِ: {تَعْقِلُونَ} فَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ وَعِنْدَهُمْ عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ هِيَ عِبَادَتُهُ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ الشَّيْطَانُ وَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ فَإِنَّهَا عَيْنُهُ. وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا عَنْ إمَامِ الْخَلَائِقِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَمَّا: {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} - إلَى قَوْلِهِ - {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وَقَالَ أَيْضًا: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} {إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} . الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} - إلَى قَوْلِهِ - {إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
ج ٢ ص ٢٦١وَقَالَ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} . فَهَذَا الْخَلِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ إمَامَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْتَدُونَ بِأَمْرِهِ؛ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ بَعْدَهُ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: {إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا} . وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِي أَشْرَكُوهُ: هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ لَيْسَ غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَتَبَرَّأُ مِنْ اللَّهِ الَّذِي وَجَّهَ وَجْهَهُ إلَيْهِ؟ وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِمْ؛ إمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْمَظَاهِرِ بِدُونِ تَقْيِيدٍ وَلَا اخْتِصَاصٍ - وَهُوَ حَالُ الْمُكَمَّلِ عِنْدَهُمْ - فَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْ شَيْءٍ وَإِمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ كَفِعْلِ النَّاقِصِينَ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا التَّبْرِيءُ مِنْ بَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ فَقَدْ قَالَ: إنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَوْ تَرَكُوهُمْ لَتَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بِقَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ تِلْكَ الْأَوْثَانِ وَالرُّسُلُ قَدْ تَبَرَّأَتْ مِنْ الْأَوْثَانِ فَقَدْ تَرَكَتْ الرُّسُلُ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا كَثِيرًا وَتَبَرَّءُوا مِنْ اللَّهِ الَّذِي دَعَوْا الْخَلْقَ إلَيْهِ وَالْمُشْرِكُونَ - عَلَى زَعْمِهِمْ - أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْمُرْسَلِينَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَلَمْ يَتَبَرَّءُوا مِنْ سَائِرِهَا وَالرُّسُلُ تَبَرَّءُوا مِنْهُ فِي عَامَّةِ الْمَظَاهِرِ. ثُمَّ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِهِمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْطُرْهَا إذْ هِيَ لَيْسَتْ غَيْرَهُ فَمَا أَجْدَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}
- ج ٢ ص ٢٦٢
الْآيَةَ. ثُمَّ قَوْلُ الْخَلِيلِ: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ} الْآيَةَ. وَهَذِهِ حُجَّةُ اللَّهِ الَّتِي آتَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ أَخَافُ مَا عَبَدْتُمُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الْمَعْبُودَةُ مَنْ دُونِهِ وَعِنْدَهُمْ لَيْسَتْ مَعْبُودَةً مَنْ دُونِهِ وَمَنْ لَمْ يَخَفْهَا فَلَمْ يَخَفْ اللَّهَ فَالرُّسُلُ لَمْ يَخَافُوا اللَّهَ. وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: {أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُ حَتَّى يُشْرِكُوهُ بِهِ بَلْ الْمَعْبُودُ الَّذِي عَبَدُوهُ هُوَ اللَّهُ وَأَكْثَرُ مَا فَعَلُوهُ: أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ جَعَلُوا غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ فِي الْعِبَادَةِ. وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ؟ } فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ وَأَنَّ الْأَمْنَ هُوَ لِمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَخْلِطْ إيمَانَهُ بِشِرْكِ وَعَلَى زَعْمِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ: فَإِيمَانُ الَّذِينَ خَلَطُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكِ: هُوَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ التَّامُّ وَهُوَ إيمَانُ الْمُحَقِّقِ الْعَارِفِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ فِي جَمِيعِ مَظَاهِرِهِ وَعَبَدَهُ فِي كُلِّ مَوْجُودٍ: هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يَعْبُدْهُ إلَّا مِنْ حَيْثُ لَا يُشْهَدُ وَلَا يُعْرَفُ وَعِنْدَهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ إلَّا فِي الْمَخْلُوقِ فَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ فِي شَيْءٍ
ج ٢ ص ٢٦٣مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَصْلًا فَمَا عَبَدَهُ فِي الْحَقِيقَةِ أَصْلًا وَإِذَا أَطْلَقُوا أَنَّهُ عَبَدَهُ فَهُوَ لَفْظٌ لَا مَعْنَى لَهُ أَيْ إذَا فَسَّرُوهُ بِالتَّخْصِيصِ فَيَكُونُ بِالتَّخْصِيصِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَصَّصَ بَعْضَ الْمَظَاهِرِ بِالْعِبَادَةِ وَهَذَا عِنْدَهُمْ نَقْصٌ لَا مِنْ جِهَةِ مَا أَشْرَكَهُ وَعَبَدَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ مَا تَرَكَهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الشِّرْكِ ظُلْمٌ وَلَا نَقْصٌ إلَّا مِنْ جِهَةِ قِلَّتِهِ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ عَامًّا كَانَ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْخَلِيلِ لِقَوْمِهِ: {إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} تَبَرَّأَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ وَفِي آلِهَتِهِمْ وَكَذَلِكَ كُفْرُهُ بِهِ وَمُعَادَاتُهُ لَهُمْ كُفْرٌ بِالْحَقِّ عِنْدَهُمْ وَمُعَادَاةٌ لَهُ. ثُمَّ قَوْلُهُ: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَتَرَكُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ بِهِ فِيهَا. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا قَصَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِنْ مُعَادَاتِهِ لِمَا عَبَدَهُ أُولَئِكَ هُوَ عِنْدَهُمْ مُعَادَاةٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ مَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ كَمَا زَعَمَ الْمُلْحِدُونَ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ} قَالُوا. وَمَا قَضَى اللَّهُ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ. وَهَذَا هُوَ الْإِلْحَادُ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَتَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ " قَضَى " هُنَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْقَدَرِ وَالتَّكْوِينِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَبِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ حَتَّى يُقَالَ: مَا قَدَّرَ اللَّهُ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَمَرَ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ؛ فَتَدَبَّرْ هَذَا التَّحْرِيفَ.
- ج ٢ ص ٢٦٤
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءِ إلَّا وَقَعَ كَلَامٌ مُجْمَلٌ؛ [فَإِنَّ الْحُكْمَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَهُوَ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} الْآيَةَ] (*) وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} وَقَوْلُهُ: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} وَيَكُونُ الْحُكْمُ حُكْمًا بِالْحَقِّ وَالتَّكْوِينِ وَالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} وَقَوْلُهُ: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} . وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقْرَءُونَ وَوَصَّى رَبُّك أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرُوا أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ وَلِهَذَا قَالَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} الْآيَةَ وَسَاقَ أَمْرَهُ وَوَصَايَاهُ إلَى أَنْ قَالَ: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} . فَخَتَمَ الْكَلَامَ بِمِثْلِ مَا فَتَحَهُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهْيِهِ عَنْ الشِّرْكِ لَيْسَ هُوَ إخْبَارًا أَنَّهُ مَا عَبَدَ أَحَدٌ إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ وَكَوَّنَهُ وَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ} ؟ وَعِنْدَهُمْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ يُجْعَلُ إلَهًا آخَرَ فَأَيُّ شَيْءٍ عُبِدَ فَهُوَ نَفْسُ الْإِلَهِ لَيْسَ آخَرَ غَيْرَهُ. وَمِثْلُ مُعَادَاةِ إبْرَاهِيمَ وَالْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ - عَلَى زَعْمِهِمْ - حَيْثُ عَادَى الْعَابِدِينَ وَالْمَعْبُودِينَ وَمَا عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ وَمَا عَبَدَ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ عَيْنُ كُلِّ عَابِدٍ وَعَيْنُ كُلِّ مَعْبُودٍ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ
ج ٢ ص ٢٦٥تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} وَعَلَى زَعْمِهِمْ مَا لِلَّهِ عَدُوٌّ أَصْلًا وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرُ وَلَا سِوَى بِحَيْثُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَدُوَّ نَفْسِهِ أَوْ عَدُوَّ الذَّوَاتِ الَّتِي لَا يَظْهَرُ إلَّا بِهَا.
-
السَّادِسُ: أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ دَعْوَةَ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ فَإِنَّهُ مَا عُدِمَ مِنْ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ. وَقَالَ أَيْضًا صَاحِبُ الْفُصُوصِ: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} الَّذِينَ خَبَتْ نَارُ طَبِيعَتِهِمْ فَقَالُوا إلَهًا وَلَمْ يَقُولُوا طَبِيعَةً: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} أَيْ حَيَّرُوهُمْ فِي تَعْدَادِ الْوَاحِدِ بِالْوُجُوهِ وَالنِّسَبِ: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ} لِأَنْفُسِهِمْ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ فَهُمْ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ فَقَدَّمَهُ عَلَى الْمُقْتَصِدِ وَالسَّابِقِ: {إلَّا ضَلَالًا} أَيْ إلَّا حَيْرَةً وَفِي الْمُحَمَّدِيِّ زِدْنِي فِيك تَحَيُّرًا. {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} لَهُ فَالْمُحَيِّرُ لَهُ الدَّوْرُ وَالْحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ حَوْلَ الْقُطْبِ فَلَا يَبْرَحُ مِنْهُ وَصَاحِبُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَطِيلِ مَائِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ طَالِبٌ مَا هُوَ فِيهِ صَاحِبُ خَيَالٍ إلَيْهِ غَايَتُهُ فَلَهُ " مِنْ " وَ " إلَى " وَمَا بَيْنَهُمَا وَصَاحِبُ الْحَرَكَةِ الدَّوْرِيَّةِ لَا بَدْءَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ " مِنْ " وَلَا غَايَةَ فَتَحْكُمُ عَلَيْهِ " إلَى " فَلَهُ الْوُجُودُ الْأَتَمُّ وَهُوَ الْمُؤْتَى جَوَامِعَ الْكَلِمِ اهـ.
ج ٢ ص ٢٦٦وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَائِهِمْ:
مَا بَالُ عِيسِك لَا يَقَرُّ قَرَارُهَا … وَإلَام ضَلَّك لَا يَنِي مُتَنَقِّلًا؟
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُ أَنَّ سَيْرَك لَمْ يَكُنْ … إلَّا إلَيْك إذَا بَلَغْت الْمَنْزِلَا
فَعِنْدَهُمْ الْإِنْسَانُ هُوَ غَايَةُ نَفْسِهِ وَهُوَ مَعْبُودُ نَفْسِهِ وَلَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَعْبُدُهُ أَوْ يَقْصِدُهُ أَوْ يَدْعُوهُ أَوْ يَسْتَجِيبُ لَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ حَقِيقَةَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ. وَكُنْت أَقُولُ لِمَنْ أُخَاطِبُهُ إنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ حَتَّى حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ خَاطَبْته فِي ذَلِكَ مِنْ الثِّقَاتِ الْعَارِفِينَ: أَنَّ بَعْضَ كُبَرَائِهِمْ لَمَّا دَعَا هَذَا الْمُحَدِّثَ إلَى مَذْهَبِهِمْ وَكَشَفَ لَهُ حَقِيقَةُ سِرِّهِمْ. قَالَ: فَقُلْت لَهُ هَذَا قَوْلُ فِرْعَوْنَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَنَحْنُ عَلَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَقُلْت لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اعْتَرَفُوا بِهَذَا فَإِنَّهُ مَعَ إقْرَارِ الْخَصْمِ لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ. وَقَدْ جَعَلَ صَاحِبُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَطِيلِ: صَاحِبَ خَيَالٍ وَمَدَحَ الْحَرَكَةَ الْمُسْتَدِيرَةَ الْحَائِرَةَ وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَيَمْدَحُهُ وَيُثْنِي عَلَى أَهْلِهِ لَا عَلَى الْمُسْتَدِيرِ؛ فَفِي أُمِّ الْكِتَابِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وَقَالَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} وَقَالَ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} الْآيَتَيْنِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي مُوسَى وَهَارُونَ: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ} {وَهَدَيْنَاهُمَا
ج ٢ ص ٢٦٧الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} وَقَالَ عَنْ إبْلِيسَ: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . وَهَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ مِنْ أَكَابِرِ مُتَّبِعِيهِ فَإِنَّهُ قَعَدَ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ فَصَدَّهُمْ عَنْهُ حَتَّى كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَآمَنُوا أَنَّ نُفُوسَهُمْ هِيَ مَعْبُودُهُمْ وَإِلَهُهُمْ. وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ خَاتَمِ الرُّسُلِ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {صِرَاطِ اللَّهِ} الْآيَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَرُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ} {ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ مَا ثَمَّ إلَّا أَنْتَ وَأَنْتَ إلَى الْآنَ مَرْدُودٌ إلَى اللَّهِ وَمَا زِلْت مَرْدُودًا إلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ شَيْءٌ غَيْرُك حَتَّى تَرُدَّ إلَيْهِ أَوْ تَرْجِعَ إلَيْهِ أَوْ تَكْدَحَ إلَيْهِ أَوْ تُلَاقِيَهُ وَلِهَذَا حَدَّثُونَا أَنَّ ابْنَ الْفَارِضِ لَمَّا اُحْتُضِرَ أَنْشَدَ بَيْتَيْنِ:
-
إنْ كَانَ مَنْزِلَتِي فِي الْحُبِّ عِنْدَكُمْ … مَا قَدْ لَقِيت: فَقَدْ ضَيَّعْت أَيَّامِي
أُمْنِيَّةٌ ظَفِرَتْ نَفْسِي بِهَا زَمَنًا … وَالْيَوْمَ أَحْسَبُهَا أَضْغَاثَ أَحْلَامِ