الإمام البخاري ورأيه في الكلام
فقرتان، ج ١٣ ص ٣٦٤
- ج ١٣ ص ٣٦٤
فَلِهَذَا صَارَ مَنْ بَعْدِهِ مُتَنَازِعِينَ فِي هَذَا الْبَابِ. " فَالطَّائِفَةُ " الَّذِينَ يَقُولُونَ لَفْظُنَا وَتِلَاوَتُنَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا آخَرُ قَوْلَيْهِ أَوْ يَطْعَنُونَ فِيمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ عَنْهُ أَوْ يَتَأَوَّلُونَ كَلَامَهُ بِمَا لَمْ يَرُدَّهُ. وَ " الطَّائِفَةُ " الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ التِّلَاوَةَ مَخْلُوقَةٌ وَالْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ: يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا قَوْلُ أَحْمَد وَأَنَّهُمْ مُوَافَقُوهُ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ. فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَد وَفَسَّرَ بِهِ كَلَامَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ مُوَافِقُهُ وَكَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي فِي تَنْزِيهِ أَصْحَابِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّتِهَا كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَكَمَا فَعَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ فِي ذَلِكَ وَكَمَا فَعَلَهُ أَبُو ذَرٍّ الهروي وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ (وَكَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ البيهقي فِي الِاعْتِقَادِ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَتَأَوَّلَ مَا اسْتَفَاضَ عَنْهُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ [غَيْرُ] مَخْلُوقٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الجهمي الْمَحْضَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي لَمْ يُنَزَّلْ مَخْلُوقٌ) (*) . وَكَذَلِكَ أَيْضًا افْتَرَى بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الْبُخَارِيِّ الْإِمَامِ صَاحِبِ " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَجَعَلُوهُ مِنْ " اللَّفْظِيَّةِ " حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ: مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذهلي
ج ١٣ ص ٣٦٥وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَكَانَ فِي الْقَضِيَّةِ أَهْوَاءٌ وَظُنُونٌ حَتَّى صَنَّفَ " كِتَابَ خَلْقِ الْأَفْعَالِ " وَذَكَرَ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي قدامة عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ: مَا زِلْت أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. وَذَكَرَ فِيهِ مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كِتَابِهِ " الصَّحِيحِ " مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَيُنَادِي بِصَوْتِ. وَسَاقَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْآثَارِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّوْتِ الَّذِي يُنَادِي اللَّهُ بِهِ وَبَيْنَ الصَّوْتِ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْ الْعِبَادِ وَأَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ لَيْسَ هُوَ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقَارِئِ وَبَيَّنَ دَلَائِلَ ذَلِكَ وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتَهُمْ مَخْلُوقَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِفِعْلِهِ وَكَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} إنَّ حَدَثَهُ لَيْسَ كَحَدَثِ الْمَخْلُوقِينَ. وَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مَنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ} وَذَكَرَ عَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: أَنَّ خَلْقَ الرَّبِّ لِلْعَالَمِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ؛ بَلْ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَذُكِرَ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ الخزاعي: أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ وَأَنَّ الْحَيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فَعَّالًا. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ وَعِلْمِ السَّلَفِ بِالْحَقِّ الْمُوَافِقِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
- ج ١٣ ص ٣٦٦
وَذَكَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ طَائِفَتَيْ " اللَّفْظِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ " تَنْتَحِلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَّ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ كَثِيرٌ مِمَّا يُنْقَلُ عَنْهُ كَذِبٌ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بَعْضَ كَلَامِهِ لِدِقَّتِهِ وَغُمُوضِهِ وَأَنَّ الَّذِي قَالَهُ وَقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَرَأَيْت بِخَطِّ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ظَهْرِ " كِتَابِ الْعُدَّةِ " بِخَطِّهِ قَالَ: نَقَلْت مِنْ آخِرِ " كِتَابِ الرِّسَالَةِ " لِلْبُخَارِيِّ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ. وَقَالَ: وَقَعَ عِنْدِي عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَجْهًا كُلُّهَا يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ قَالَ مَا سَمِعْت عَالِمًا يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ قَالَ وَافْتَرَقَ أَصْحَابُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى نَحْوٍ مَنْ خَمْسِينَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ " اللَّفْظِيُّ " الَّذِي يَقُولُ: الْقُرْآنُ بِأَلْفَاظِنَا مَخْلُوقٌ. وَكَانَ " أَيْضًا " قَدْ نَبَغَ فِي أَوَاخِرَ عَصْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْكُلَّابِيَة وَنَحْوِهِمْ - أَتْبَاعِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الْبَصْرِيِّ: الَّذِي صَنَّفَ مُصَنِّفَاتٍ رَدَّ فِيهَا عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية وَطَرِيقَتُهُ يَمِيلُ فِيهَا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ لَكِنْ فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْبِدْعَةِ؛ لِكَوْنِهِ أَثْبَتَ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِذَاتِ اللَّهِ وَلَمْ يُثْبِتْ قِيَامَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِهِ؛ وَلَكِنْ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة - نفاة الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ - مِنْ الدَّلَائِلِ وَالْحُجَجِ وَبَسْطِ الْقَوْلِ مَا بَيَّنَ بِهِ فَضْلَهُ