مراتب الوجود

فقرة واحدة، ج ١٣ ص ٣٨٥

  1. وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} فَإِنَّ الْأَعْمَالَ فِي الزُّبُرِ كَالرَّسُولِ وَكَالْقُرْآنِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ وَأَمَّا " الْكِتَابُ الْمَسْطُورُ فِي الرَّقِّ الْمَنْشُورِ " فَهُوَ كَمَا يُكْتَبُ الْكَلَامُ نَفْسُهُ وَالصَّحِيفَةُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَلَهُ " أَرْبَعُ مَرَاتِبَ " فِي الْوُجُودِ: وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ: وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ وَوُجُودٌ فِي الْبَنَانِ: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ. وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي الْوُجُودَيْنِ فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} فَهَذَا الْوُجُودُ الْعَيْنِيُّ ثُمَّ قَالَ: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فَذَكَرَ أَنَّهُ أَعْطَى الْوُجُودَ الْعِلْمِيَّ الذِّهْنِيَّ وَذَكَرَ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْلِيمِ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ وَتَعْلِيمُ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْلِيمِ الْمَعْنَى فَدَلَّ بِذِكْرِهِ آخِرَ الْمَرَاتِبِ عَلَى أَوَّلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ أَوَّلَهَا أَوْ أَطْلَقَ التَّعْلِيمَ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْقُرْآنُ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ لَهُ " الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ " لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَقِ مَرْتَبَةٌ أُخْرَى مُتَوَسِّطَةٌ؛ بَلْ نَفْسُ الْكَلَامِ يَثْبُتُ فِي الْكِتَابِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ

    ج ١٣ ص ٣٨٦مَكْنُونٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وَقَالَ: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} وَقَالَ: {كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ} {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} وَقَالَ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} . وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهَا كَمَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ: إنَّهُ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالطُّورِ} {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} وَأَمَّا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ أَوْ رَسُولُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْيَانِ فَإِنَّمَا فِي الصُّحُفِ اسْمُهُ وَهُوَ مِنْ الْكَلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} وَإِنَّمَا فِي التَّوْرَاةِ كِتَابَتُهُ وَذِكْرُهُ وَصِفَتُهُ وَاسْمُهُ وَهِيَ " الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ " مِنْهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَشْبِيهُ كَوْنِ الْقُرْآنِ أَوْ الْكَلَامِ فِي الصُّحُفِ أَوْ الْوَرَقِ بِكَوْنِ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ السَّمَاءِ أَوْ الْأَرْضِ فِي الصُّحُفِ أَوْ الْوَرَقِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ فِي الصُّحُفِ أَوْ الْوَرَقِ لَأَنْكَرَ ذَلِكَ؛ إلَّا مَعَ قَرَائِنَ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ ذِكْرُهُ وَكِتَابَتُهُ. وَ " الزُّبُرُ " جَمْعُ زَبُورٍ وَالزَّبُورُ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَزْبُورٍ أَيْ: مَكْتُوبٍ فَلَفْظُ الزَّبُورِ يَدُلُّ عَلَى الْكِتَابَةِ وَهَذَا مِثْلُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ {عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ: قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ

    ج ١٣ ص ٣٨٥