الخوارج والمعتزلة يوجبون النار بالكبائر

فقرتان، ج ١٣ ص ٤٨٠

  1. دَخَلَ النَّارَ وَعِنْدَهُمْ مَنْ دَخَلَهَا خُلِّدَ فِيهَا وَلَا يَجْتَمِعُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ الْعَذَابُ وَالثَّوَابُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَائِر مَنْ اتَّبَعَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ خَلْقٍ كَثِيرٍ. كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَنُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَ " أَيْضًا " : فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يُوجِبُونَ الْعَذَابَ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً وَلَا يَشْهَدُونَ لِمُسْلِمِ بِعَيْنِهِ بِالنَّارِ لِأَجْلِ كَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ عَمِلَهَا؛ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِلَا عَذَابٍ إمَّا لِحَسَنَاتِ تَمْحُو كَبِيرَتَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَإِمَّا لِمَصَائِبَ كَفَّرَتْهَا عَنْهُ وَإِمَّا لِدُعَاءِ مُسْتَجَابٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فِيهِ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَ " الوعيدية " مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: يُوجِبُونَ الْعَذَابَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكَبَائِرِ؛ لِشُمُولِ نُصُوصِ الْوَعِيدِ لَهُمْ. مِثْلُ قَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} وَتَجْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ إنْفَاذَ الْوَعِيدِ أَحَدَ " الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ " الَّتِي يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهَا وَيُخَالِفُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي وُجُوبِ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِيهِمْ وَفِي تَخْلِيدِهِمْ؛ وَلِهَذَا مَنَعَتْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ أَنْ يَكُونَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَةٌ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ - فِي إخْرَاجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ النَّارِ. وَهَذَا مَرْدُودٌ بِمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ السُّنَنِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

    ج ١٣ ص ٤٨١{شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي} وَأَحَادِيثُهُ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ النَّارِ مَنْ قَدْ دَخَلَهَا. وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا تَحْرِيرَ هَذِهِ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَكَانَ مَا أَوْقَعَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا نُصُوصَ الْوَعِيدِ فَرَأَوْهَا عَامَّةً فَقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا كُلُّ مَنْ شَمَلَتْهُ وَهُوَ خَبَرٌ وَخَبَرُ اللَّهِ صِدْقٌ فَلَوْ أَخْلَفَ وَعِيدَهُ كَانَ كَإِخْلَافِ وَعْدِهِ وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ فَعَارَضَهُمْ غَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ فَإِنَّهَا قَدْ تَتَنَاوَلُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَعَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ. فَقَالَ الْأَوَّلُونَ: نُصُوصُ الْوَعْدِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا مُؤْمِنًا وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: نُصُوصُ الْوَعِيدِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا كَافِرًا وَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ. فَإِنَّ النُّصُوصَ - مِثْلَ قَوْلِهِ. {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الْكُفْرُ؛ بَلْ هِيَ فِي حَقِّ الْمُتَدَيِّنِ بِالْإِسْلَامِ. وَقَوْلِهِ: " {مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ} " لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ " {وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ} " . فَهُنَا اضْطَرَبَ النَّاسُ فَأَنْكَرَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْجِئَةِ الْعُمُومَ وَقَالُوا: لَيْسَ فِي اللُّغَةِ عُمُومٌ وَهُمْ الواقفية فِي الْعُمُومِ مِنْ الْمُرْجِئَةِ وَبَعْضِ

    ج ١٣ ص ٤٨٢الْأَشْعَرِيَّةِ وَالشِّيعِيَّةِ وَإِنَّمَا الْتَزَمُوا ذَلِكَ لِئَلَّا يَدْخُلَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ. وَقَالَتْ الْمُقْتَصِدَةُ: بَلْ الْعُمُومُ صَحِيحٌ وَالصِّيَغُ صِيَغُ عُمُومٍ؛ لَكِنَّ الْعَامَّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين إلَّا هَذِهِ الشِّرْذِمَةُ. قَالُوا: فَمَنْ عُفِيَ عَنْهُ كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْعُمُومِ. وَقَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: بَلْ إخْلَافُ الْوَعِيدِ لَيْسَ بِكَذِبِ وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّ عَارًا أَوْ شَنَارًا أَنْ يُوعِدَ الرَّجُلُ شَرًّا ثُمَّ لَا يُنْجِزُهُ كَمَا تَعِدُ عَارًا أَوْ شَنَارًا أَنْ يَعِدَ خَيْرًا ثُمَّ لَا يُنْجِزُهُ وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين وَقَدْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُبِّئْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفُوُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولٌ قَالُوا: فَهَذَا وَعِيدٌ خَاصٌّ وَقَدْ رَجَا فِيهِ الْعَفْوَ مُخَاطِبًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْمُتَوَعَّدِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ. وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُشْتَمِلٌ عَلَى نُصُوصِ الْوَعْدِ

    ج ١٣ ص ٤٨٠
  2. وَالْوَعِيدِ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ مُشْتَمِلٌ عَلَى نُصُوصِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَكُلٌّ مِنْ النُّصُوصِ يُفَسِّرُ الْآخَرَ وَيُبَيِّنُهُ فَكَمَا أَنَّ نُصُوصَ الْوَعْدِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْكُفْرِ الْمُحْبِطِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فَكَذَلِكَ نُصُوصُ الْوَعِيدِ لِلْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ تَابَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ. فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ بِنُصُوصِ مَعْرُوفَةٍ أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَأَنَّ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وَأَنَّهُ يُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذَا دَعَاهُ وَأَنَّ مَصَائِبَ الدُّنْيَا تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ وَأَنَّهُ يَقْبَلُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ كَمَا بَيَّنَ أَنَّ الصَّدَقَةَ يُبْطِلُهَا الْمَنُّ وَالْأَذَى وَأَنَّ الرِّبَا يُبْطِلُ الْعَمَلَ وَأَنَّهُ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ؛ أَيْ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَجَعَلَ لِلسَّيِّئَاتِ مَا يُوجِبُ رَفْعَ عِقَابِهَا كَمَا جَعَلَ لِلْحَسَنَاتِ مَا قَدْ يُبْطِلُ ثَوَابَهَا لَكِنْ لَيْسَ شَيْءٌ يُبْطِلُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ إلَّا التَّوْبَةُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُبْطِلُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ إلَّا الرِّدَّةُ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّا نَشْهَدُ بِأَنَّ {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا

    ج ١٣ ص ٤٨٣