مقولة الخوارج في أهل الذنوب من أهل القبلة

٣ فقرات، ج ١٤ ص ٣٧

  1. وَبَعْضُهُ فِي الْمَدِينَةِ فَصَارَ مُقْتَصِدُوهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ يُقِرُّونَ بِالْقَدْرِ السَّابِقِ وَبِالْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَصَارَ نِزَاعُ النَّاسِ فِي " الْإِرَادَةِ " و " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " فَصَارُوا فِي ذَلِكَ حِزْبَيْنِ: " الْنُّفَاةِ " يَقُولُونَ: لَا إرَادَةَ إلَّا بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَهُوَ لَمْ يُرِدْ إلَّا مَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَقَابَلَهُمْ الْخَائِضُونَ فِي الْقَدَرِ مِنْ " الْمُجَبِّرَةِ " مِثْلُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَمْثَالِهِ فَقَالُوا: لَيْسَتْ الْإِرَادَةُ إلَّا بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يَسْتَلْزِمُ إرَادَةً وَقَالُوا: الْعَبْدُ لَا فِعْلَ لَهُ أَلْبَتَّةَ وَلَا قُدْرَةَ بَلْ اللَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ الْقَادِرُ فَقَطْ وَكَانَ جَهْمٌ مَعَ ذَلِكَ يَنْفِي الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ يُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا يُسَمَّى اللَّهُ شَيْئًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَسَمَّى بِهَا الْعِبَادُ إلَّا الْقَادِرَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِقَادِرِ.

    ج ١٤ ص ٣٧
  2. وَكَانَتْ " الْخَوَارِجُ " قَدْ تَكَلَّمُوا فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الذُّنُوبِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا: إنَّهُمْ كُفَّارٌ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ فَخَاضَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَخَاضَ فِي ذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُهُ: لَا هُمْ مُسْلِمُونَ وَلَا كُفَّارٌ؛ بَلْ لَهُمْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ فَوَافَقُوا الْخَوَارِجَ عَلَى أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ شَيْءٌ وَلَكِنْ لَمْ يُسَمُّوهُمْ كُفَّارًا وَاعْتَزَلُوا

    ج ١٤ ص ٣٨حَلْقَةَ أَصْحَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلِ قتادة وَأَيُّوبَ السختياني وَأَمْثَالِهِمَا. فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: إنَّ قتادة كَانَ يَقُولُ أُولَئِكَ الْمُعْتَزِلَةُ.

  3. وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي " الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ " أَيْ فِي أَسْمَاءِ الدِّينِ مِثْلَ مُسْلِمٍ وَمُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَفَاسِقٍ وَفِي أَحْكَامِ هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَالْمُعْتَزِلَةُ وَافَقُوا الْخَوَارِجَ عَلَى حُكْمِهِمْ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا فَلَمْ يَسْتَحِلُّوا مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَحَلَّتْهُ الْخَوَارِجُ وَفِي الْأَسْمَاءِ أَحْدَثُوا الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَهَذِهِ خَاصَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي انْفَرَدُوا بِهَا وَسَائِرُ أَقْوَالِهِمْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ. وَحَدَثَتْ " الْمُرْجِئَةُ " وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْمُرْجِئَةِ وَلَا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي وَأَمْثَالُهُ فَصَارُوا نَقِيضَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: إنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ أَخَفَّ الْبِدَعِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النِّزَاعِ فِيهَا نِزَاعٌ فِي الِاسْمِ وَاللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ؛ إذْ كَانَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يُضَافُ إلَيْهِمْ هَذَا الْقَوْلُ مِثْلَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا هُمْ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ مَنْ يُعَذِّبُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ بِالنَّارِ ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ بِالشَّفَاعَةِ كَمَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ

    ج ١٤ ص ٣٩أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ. وَعَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْمَفْرُوضَةَ وَاجِبَةٌ وَتَارِكُهَا مُسْتَحِقٌّ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ فَكَانَ فِي الْأَعْمَالِ هَلْ هِيَ مِنْ الْإِيمَانِ وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَامَّتُهُ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ إذَا أُطْلِقَ دَخَلَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً - أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً - أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ} وَإِذَا عُطِفَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَقَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فَقَدْ ذُكِرَ مُقَيَّدًا بِالْعَطْفِ فَهُنَا قَدْ يُقَالُ: الْأَعْمَالُ دَخَلَتْ فِيهِ وَعُطِفَتْ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَقَدْ يُقَالُ: لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ وَلَكِنْ مَعَ الْعَطْفِ كَمَا فِي اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ - إذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا تَنَاوَلَ الْآخَرَ وَإِذَا عُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَهُمَا صِنْفَانِ كَمَا فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ كَقَوْلِهِ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} وَكَمَا فِي آيَةِ الْكَفَّارَةِ كَقَوْلِهِ: {فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} فَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِيمَانِ هُوَ كَذَلِكَ فِي لَفْظِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْمَعْرُوفِ وَفِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْمُنْكَرِ تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهَا فِي الْإِفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ لِمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا بَسْطًا كَبِيرًا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَشَرْحِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ أَصْلُهُ فِي الْقَلْبِ؛ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ كَمَا فِي

    ج ١٤ ص ٤٠الْمُسْنَدِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ} وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {أَلَا إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ فَقَدْ صَلَحَ الْقَلْبُ فَيَجِبُ أَنْ يَصْلُحَ سَائِرُ الْجَسَدِ؛ فَلِذَلِكَ هُوَ ثَمَرَةُ مَا فِي الْقَلْبِ؛ فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ الْأَعْمَالُ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ. وَصِحَّتُهُ لِمَا كَانَتْ لَازِمَةً لِصَلَاحِ الْقَلْبِ دَخَلَتْ فِي الِاسْمِ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَفِي " الْجُمْلَةِ " الَّذِينَ رُمُوا بِالْإِرْجَاءِ مِنْ الْأَكَابِرِ مِثْلِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَإِبْرَاهِيمَ التيمي وَنَحْوِهِمَا: كَانَ إرْجَاؤُهُمْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَكَانُوا أَيْضًا لَا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ وَكَانُوا يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ هُوَ الْإِيمَانُ الْمَوْجُودُ فِينَا وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّا مُصَدِّقُونَ وَيَرَوْنَ الِاسْتِثْنَاءَ شَكًّا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَثْنُونَ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مَا قَالَ؛ لَكِنَّ أَحْمَد أَنْكَرَ هَذَا وَضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ وَصَارَ النَّاسُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِثْنَاءُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ كَانَ مُبْتَدِعًا. وَقَوْلٌ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَحْظُورٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي الْإِيمَانِ.