حد الفقه وجواب من قال: الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما؟

فقرتان، ج ١٤ ص ١١٢

  1. يَسْتَغْنِي عَنْ الظَّوَاهِرِ وَالْأَخْبَارِ وَالْأَقْيِسَةِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِ نَقِيضِهِ وَهَذَا عَمَلٌ بِالظَّنِّ وَالْقُرْآنُ قَدْ حَرَّمَ اتِّبَاعَ الظَّنِّ. وَقَدْ تَنَوَّعَتْ طُرُقُ النَّاسِ فِي جَوَازِ هَذَا؛ فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَا يُتَّبَعُ قَطُّ إلَّا الْعِلْمُ وَلَا يُعْمَلُ بِالظَّنِّ أَصْلًا وَقَالُوا إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الظَّوَاهِرِ بَلْ يَقُولُونَ نَقْطَعُ بِخَطَأِ مَنْ خَالَفَنَا وَنَنْقُضُ حُكْمَهُ كَمَا يَقُولُهُ دَاوُد وَأَصْحَابُهُ وَهَؤُلَاءِ عُمْدَتُهُمْ إنَّمَا هُوَ مَا يَظُنُّونَهُ ظَاهِرًا - وَأَمَّا الِاسْتِصْحَابُ فَالِاسْتِصْحَابُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ مِنْ أَضْعَفِ الْأَدِلَّةِ - وَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ قَدْ لَا يَكُونُ مَا احْتَجُّوا بِهِ ظَاهِرَ اللَّفْظِ؛ بَلْ الظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الرَّاجِحِ كُنَّا مُتَّبِعِينَ لِلْعِلْمِ فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِالْعِلْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلْمِ لَا نَعْمَلُ بِالظَّنِّ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَتْبَاعِهِ. وَهُنَا السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِي " حَدِّ الْفِقْهِ " : أَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ وَقَالَ الرَّازِي: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَى أَعْيَانِهَا بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً قَالَ: فَإِنْ قُلْت: الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ فَكَيْفَ جَعَلْته عِلْمًا؟ قُلْت: الْمُجْتَهِدُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مُشَارَكَةُ صُورَةٍ لِصُورَةِ فِي مَنَاطِ

    ج ١٤ ص ١١٣الْحُكْمِ قَطَعَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ ظَنُّهُ فَالْعِلْمُ حَاصِلٌ قَطْعًا وَالظَّنُّ وَاقِعٌ فِي طَرِيقِهِ وَحَقِيقَةُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ هُنَا مُقَدِّمَتَيْنِ:

    إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِنْدِي ظَنٌّ

    وَالثَّانِيَةُ: قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ هَذَا الظَّنِّ. ف " الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى " وِجْدَانِيَّةٌ و " الثَّانِيَةُ " عَمَلِيَّةٌ اسْتِدْلَالِيَّةٌ؛ فَلَيْسَ الظَّنُّ هُنَا مُقَدِّمَةً فِي الدَّلِيلِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ لَكِنْ يُقَالُ: الْعَمَلُ بِهَذَا الظَّنِّ هُوَ حُكْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ لَيْسَ هُوَ الْفِقْهَ بَلْ الْفِقْهُ هُوَ ذَاكَ الظَّنُّ الْحَاصِلُ بِالظَّاهِرِ؛ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ وَالْأُصُولُ تُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَذَا الظَّنِّ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَالْفُقَهَاءُ لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا فَهَذَا الْحُكْمُ الْعَمَلِيُّ الْأُصُولِيُّ لَيْسَ هُوَ الْفِقْهَ وَهَذَا الْجَوَابُ جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَلَا عَلَى الظَّنِّ دَلِيلٌ يُوجِبُ تَرْجِيحَ ظَنٍّ عَلَى ظَنٍّ؛ بَلْ الظُّنُونُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ نَصَرَ قَوْلَهُ: قَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ مَيْلِ النَّفْسِ إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ كَمَيْلِ ذِي الشِّدَّةِ إلَى قَوْلٍ وَذِي اللِّينِ إلَى قَوْلٍ. وَحِينَئِذٍ فَعِنْدَهُمْ مَتَى وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ ظَنًّا فِي نَفْسِهِ فَحُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ

    ج ١٤ ص ١١٤اتِّبَاعُ هَذَا الظَّنِّ وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ إنْكَارًا بَلِيغًا وَهُمْ مَعْذُورُونَ فِي إنْكَارِهِ فَإِنَّ هَذَا أَوَّلًا مُكَابَرَةٌ فَإِنَّ الظُّنُونَ عَلَيْهَا أَمَارَاتٌ وَدَلَائِلُ يُوجِبُ وُجُودُهَا تَرْجِيحَ ظَنٍّ عَلَى ظَنٍّ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِهِ وَرَجَّحَتْ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ وَالْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ: فِي اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَفِي الْفِقْهِ هَلْ هُوَ مِنْ الظُّنُونِ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ هُوَ الْجَوَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْعِلْمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْأَدِلَّةِ وَيَعْمَلَ بِالرَّاجِحِ وَكَوْنُ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ تَرْجِيحَ هَذَا عَلَى هَذَا فِيهِ شَكٌّ عِنْدَهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَإِذَا ظَنَّ الرُّجْحَانَ فَإِنَّمَا ظَنُّهُ لِقِيَامِ دَلِيلٍ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ هَذَا رَاجِحٌ وَفَرْقٌ بَيْنَ اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ وَرُجْحَانِ الِاعْتِقَادِ أَمَّا اعْتِقَادُ الرُّجْحَانِ فَقَدْ يَكُونُ عِلْمًا وَقَدْ لَا يَعْمَلُ حَتَّى يَعْلَمَ الرُّجْحَانَ وَإِذَا ظَنَّ الرُّجْحَانَ أَيْضًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَظُنَّهُ بِدَلِيلِ يَكُونُ عِنْدَهُ أَرْجَحَ مِنْ دَلِيلِ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَرُجْحَانُ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى رُجْحَانٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ وَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْعِلْمِ لَا لِلظَّنِّ وَهُوَ اتِّبَاعُ الْأَحْسَنِ كَمَا قَالَ {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} وَقَالَ: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وَقَالَ: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} فَإِذَا كَانَ

    ج ١٤ ص ١١٢
  2. أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ هُوَ الْأَرْجَحَ فَاتِّبَاعُهُ هُوَ الْأَحْسَنُ وَهَذَا مَعْلُومٌ. فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِأَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَمَا عَمِلَ إلَّا بِالْعِلْمِ وَهَذَا جَوَابُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وأبي وَغَيْرِهِمْ وَالْقُرْآنُ ذَمَّ مَنْ لَا يَتَّبِعُ إلَّا الظَّنَّ فَلَمْ يَسْتَنِدْ ظَنُّهُ إلَى عِلْمٍ بِأَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ؛ كَمَا قَالَ: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} وَقَالَ: {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ} وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ يَذُمُّ الَّذِينَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ فَعِنْدَهُمْ ظَنٌّ مُجَرَّدٌ لَا عِلْمَ مَعَهُ وَهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَعَلَيْهِ عُقَلَاءُ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ إلَّا بِعِلْمِ بِأَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِنْ هَذَا فَيَعْتَقِدُونَ الرُّجْحَانَ اعْتِقَادًا عَمَلِيًّا؛ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ أَرْجَحَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَرْجُوحُ هُوَ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: {وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ} فَإِذَا أَتَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِحُجَّةِ مِثْلِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ وَلَمْ يَأْتِ الْآخَرُ بِشَاهِدِ مَعَهَا كَانَ الْحَاكِمُ عَالِمًا بِأَنَّ حُجَّةَ هَذَا أَرْجَحُ فَمَا حَكَمَ إلَّا بِعِلْمِ؛ لَكِنَّ الْآخَرَ قَدْ يَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ لَا يَعْلَمُهَا أَوْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يُبَيِّنَهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَضَاهُ أَوْ أَبْرَأَهُ وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهَا أَوْ لَا

    ج ١٤ ص ١١٥