عمدة المعطلة نفاة الصفات

فقرة واحدة، ج ١٤ ص ١٧٥

  1. وَكَبِيرٍ مُفَهِّمٍ وَعَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ جُمْلَةَ الِاعْتِقَادِ وَالْكَلَامَ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى الرُّؤْيَةِ وَمَسْأَلَةَ الْقُرْآنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ الْمُعَطِّلَةَ نفاة الصِّفَاتِ أَوْ نفاة بَعْضِهَا لَا يَعْتَمِدُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ إذْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ الْإِثْبَاتَ لَا النَّفْيَ؛ لَكِنْ يَعْتَمِدُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَظُنُّونَهُ أَدِلَّةً عَقْلِيَّةً وَيُعَارِضُونَ بِذَلِكَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ مَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لَا مِنْ سَمْعٍ وَلَا عَقْلٍ فَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ خَبَرًا بَيَّنَ بِهِ الْحَقَّ عَلَى زَعْمِهِمْ وَلَا ذَكَرَ أَدِلَّةً عَقْلِيَّةً تُبَيِّنُ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ عَلَى زَعْمِهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِ هَذَا فَإِنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الرَّسُولَ ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ أَدِلَّةً عَقْلِيَّةً عَلَى ثُبُوتِ الرَّبِّ وَعَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ. وَقَدْ يَقُولُونَ أَيْضًا: إنَّهُ أَخْبَرَ بِالْمَعَادِ؛ لَكِنْ نَفَوْا الصِّفَاتِ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ النَّفْيِ لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّسُولُ فَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَلَا ذَكَرَ دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَيْهِ؛ بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ الْإِثْبَاتَ وَلَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا فَأَحْوَجَ النَّاسَ إلَى التَّأْوِيلِ أَوْ التَّفْوِيضِ فَلَمَّا نَسَبُوا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لَا دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ، لَا خَبَرَ يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَلَا

    ج ١٤ ص ١٧٦دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ عَاقَبَهُمْ اللَّهُ بِجِنْسِ ذُنُوبِهِمْ فَكَانَ مَا يَقُولُونَهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَارِجًا عَنْ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فَإِذَا اخْتَبَرَهُ الْعَارِفُ وَجَدَهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ جِنْسِ شُبُهَاتِ أَهْلِ السَّفْسَطَةِ وَالْإِلْحَادِ الَّذِينَ يَقْدَحُونَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ. وَأَمَّا السَّمْعُ فَخِلَافُهُمْ لَهُ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِنَّمَا يَظُنُّ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ أَنَّهُمْ أَحْكَمُوا الْعَقْلِيَّاتِ فَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ وَجَدَهُمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ النَّارِ: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} فَلَمَّا كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ سَلَبَهُمْ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرِفَةَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ حَتَّى كَانُوا مِنْ أَضَلِّ الْبَرِيَّةِ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ قَدْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْ النَّبِيِّينَ وَهَذَا مِيرَاثٌ مِنْ فِرْعَوْنَ وَحِزْبِهِ اللَّعِينِ.

    ج ١٤ ص ١٧٥